القانون الواجب التطبيق في التحكيم الدولي: مدخل إلى قواعد الإسناد وكيفية عملها عمليًا في التحكيم


عندما تنشأ منازعات عبر الحدود، يصبح السؤال الأساسي ليس فقط من له الحق؟ بل أي قانون سيجيب عن هذا السؤال؟ هذه المسألة هي جوهر ما يُسمّى بقواعد إحالة القوانين في القانون الدولي الخاص. تعمل قواعد الإحالة كجسر بين الحقائق المادية للعلاقة القانونية (مكان الأداء، مكان الإبرام، جنسية الأطراف، مركز المصالح التجارية…الخ) وبين القانون الوطني أو الدولي الذي سيحكم تلك الحقوق والالتزامات. في غياب آلية تحقق توافقًا مسبقًا بين الأطراف على قانونٍ معيّن، تتولّى قواعد الإحالة مهمة اختيار القانون الموضوعي (lex causae) الذي يطبَّق على جوهر النزاع، وتختلف هذه القواعد من نظام إلى آخر (قانون مكان الأداء، القانون الأكثر اتصالًا، قانون موقع العقد، إلخ). لذلك فهم هذه القواعد وتمييزها عن القواعد الإجرائية للتحكيم أمر لا غنى عنه لمن يتعامل مع التحكيم الدولي.

أولاً: قواعد الإسناد في القانون الدولي الخاص

تُعد قواعد الإسناد (Conflict of Laws Rules) [1] حجر الزاوية في نظام القانون الدولي الخاص، إذ تحدد هذه القواعد القانون الذي يجب تطبيقه على علاقة قانونية ذات طابع دولي. فحين ينشأ نزاع بين أطراف ينتمون إلى دول مختلفة، لا يكون السؤال الأساسي متعلقًا بمضمون الحق فحسب، بل أيضًا بالقانون الذي سيحكم هذا الحق. هنا تتدخل قواعد الإسناد لتكون بمثابة الجسر بين النظام القانوني الوطني والعلاقات القانونية العابرة للحدود [2].

تقوم فكرة الإسناد على مبدأ أن لكل دولة سيادتها التشريعية، وبالتالي عندما ينظر القاضي الوطني في نزاع ذي عنصر أجنبي، فإنه يلتزم بالنظر أولًا إلى قواعد الإسناد في قانونه الوطني لتحديد أي قانون أجنبي أو وطني هو الأنسب للتطبيق. وتختلف معايير الإسناد من دولة إلى أخرى، لكنها غالبًا ما تستند إلى عناصر الاتصال الأساسية مثل موطن الأطراف، أو مكان إبرام العقد، أو مكان تنفيذه، أو محل المال المتنازع عليه. فالقانون الفرنسي مثلاً يميل إلى إسناد عقود البيع إلى قانون مكان التسليم، بينما يفضل القانون المصري النظر إلى مكان إبرام العقد أو موطن المدين بالالتزام محل النزاع [3].

وتتمثل أهمية قواعد الإسناد في أنها تعكس محاولة المشرّع الوطني لتنظيم التعايش بين النظم القانونية المختلفة دون المساس بسيادة الدولة. لذلك فهي في النهاية قواعد داخلية ذات طابع دولي، أي أنها لا تُنشئ التزامًا دوليًا في حد ذاتها، وإنما تنظّم كيفية تعامل القضاء الوطني مع القوانين الأجنبية. كما أن دور إرادة الأطراف في هذا السياق يظل محدودًا، لأن القاضي الوطني ملزم بتطبيق قانون بلده أولاً، والتحقق من أن القانون المختار لا يتعارض مع النظام العام أو القواعد الآمرة للدولة [4].

فلو اتفق طرفان في عقد بيع دولي على إخضاع علاقتهما لقانون أجنبي يخالف المبادئ الأساسية لقانون القاضي، فإن المحكمة الوطنية لها أن تستبعد هذا الاختيار وتطبق قانونها الداخلي حمايةً للنظام العام. وهذا يبرز أن سلطة القاضي في تحديد القانون الواجب التطبيق تظل خاضعة لحدود سيادة الدولة، وأن قواعد الإسناد تعمل كإطار إلزامي يقيّد حرية الأطراف في اختيار القانون.

ثانياً: القانون الواجب التطبيق، المفهوم والتمييز بينه وبين قواعد الإسناد

القانون الواجب التطبيق (Applicable Law) هو القانون الذي يُطبّق فعليًا على موضوع النزاع بعد المرور بمرحلة تحديده عبر قواعد الإسناد. بمعنى آخر، إذا كانت قواعد الإسناد هي الآلية التي تُحدّد الطريق، فإن القانون الواجب التطبيق هو الوجهة النهائية لذلك الطريق. هذا القانون هو الذي يُستخدم لحسم النزاع وتحديد الحقوق والالتزامات بين الأطراف [5].

وفي سياق العلاقات التجارية الدولية، يكتسب مفهوم القانون الواجب التطبيق أهمية مزدوجة، إذ لا يقتصر الأمر على اختيار القانون الموضوعي الذي يحكم جوهر النزاع (مثل تفسير العقد أو تنفيذه أو فسخه)، بل يمتد أيضًا إلى القانون الإجرائي الذي يحكم إجراءات الفصل نفسها. فبينما يخضع القانون الموضوعي عادةً لاختيار الأطراف أو لتقدير هيئة التحكيم، فإن القانون الإجرائي غالبًا ما يرتبط بقانون مقر التحكيم، ما لم يتفق الأطراف على غير ذلك.

ويُميز الفقه الدولي بين نوعين من القوانين في هذا السياق: أولًا، القانون الموضوعيSubstantive Law الذي يحكم المسائل الجوهرية للنزاع مثل الالتزامات التعاقدية وتفسير البنود ووسائل التعويض. وثانيًا، القانون الإجرائي (Procedural Law) الذي ينظم سير عملية التحكيم من حيث تشكيل هيئة التحكيم، وإجراءات الإثبات، وإصدار الحكم، ويُعرف عادة باسم “Lex Arbitri” أي قانون مقر التحكيم [6].

وفي الأنظمة القضائية الوطنية، يتم تحديد القانون الواجب التطبيق من خلال قواعد الإسناد الوطنية. أما في التحكيم الدولي، فالوضع يختلف اختلافًا جوهريًا؛ إذ يتمتع الأطراف بحرية واسعة في اختيار القانون الذي يرغبون بتطبيقه على النزاع. فالقانون الواجب التطبيق هنا لا يفرضه نظام الدولة، بل تحدده إرادة الأطراف، ما لم يتعارض مع النظام العام الدولي. وهذه الحرية هي التي تمنح التحكيم طابعه الدولي المتميز عن القضاء الوطني [7].

غير أن هذه الحرية ليست مطلقة، فحتى في التحكيم، تظل بعض الحدود قائمة. فالمحكمون، وإن كانوا غير تابعين لدولة معينة، إلا أنهم يخضعون في نهاية المطاف لرقابة القضاء الوطني في مرحلة تنفيذ الحكم. لذلك، إذا كان اختيار القانون الواجب التطبيق يؤدي إلى نتيجة مخالفة للنظام العام في الدولة التي يُطلب فيها التنفيذ، فيمكن رفض التنفيذ وفقًا للمادة (V/2)(b) من اتفاقية نيويورك لعام 1958 بشأن الاعتراف بأحكام التحكيم الأجنبية وتنفيذها.

ومن ثم، فإن القانون الواجب التطبيق يُعتبر المزيج الدقيق بين حرية الأطراف في الاختيار وسلطة الهيئة في التقدير وحدود النظام العام للدول، وهو ما يجعل التحكيم أكثر مرونة من القضاء، دون أن يكون منفلتًا من الضوابط القانونية العامة.

ثالثاً: التمييز بين القانون الإجرائي والقانون الموضوعي في التحكيم

قبل الدخول لكيفية اختيار القانون عمليًا في التحكيم، من الضروري فصل وظيفتين قانونيتين مختلفتين تعملان معًا في فض النزاع التحكيمي. الأولى هي قانون الموضوع أوالقانون الواجب التطبيق على الموضوع (lex causae) [8] هذا القانون يحدد طبيعة الالتزامات العقدية وغير العقدية، مسؤوليات الأطراف، شروط التعويض، حدود العقوبات، قواعد البطلان والموانع الموضوعية. الثانية هي قانون المقر (Seat of arbitration) أو الـ (lex arbitri) [9] هذا القانون هو الذي ينظم الإطار الإجرائي للتحكيم ذاته، مثل شروط صحة اتفاق التحكيم، طرق تعيين المحكمين، سلطة الهيئة للتحقيق وإصدار تدابير احترازية، وإجراءات الطعن أمام محاكم المقر. عمليًا، يقول المبدأ المتداول في الممارسات الدولية إن lex arbitri يحكم الشكل والإجراءات، وlex causae يحكم المضمون والحقوق. هذا التقسيم يوضح لماذا اختيار المقرّ (Seat) لا يقل أهمية عن اختيار القانون الموضوعي، المقرّ يحدد من الذي يراقب التحكيم إجرائيًا ومن يملك صلاحية إبطال الأحكام أو إصدار الأمر التنفيذي لها. نصوص ومبادئ نموذجية كـUNCITRAL Model Law صاغت هذا التمييز وأكدت نطاق تدخل محاكم المقر في المسائل الإجرائية [10]، مما يجعل قانون المقرّ لاعبًا محوريًا في مآلات أي تحكيم [11].

رابعاً:  قواعد المراكز التحكيمية الإجرائية ودورها في تحديد القانون الواجب التطبيق

من أبرز ملامح التحكيم المؤسسي أنه لا يخضع فقط لقواعد القانون الوطني، بل تُنظم إجراءاته قواعد المراكز التحكيمية الدولية والإقليمية التي تمثل نظامًا قانونيًا خاصًا يوازن بين التنظيم والمرونة. وتشمل هذه القواعد ما وضعته هيئات مثل غرفة التجارة الدولية (ICC) ومركز لندن للتحكيم الدولي (LCIA) وقواعد الأونسيترال (UNCITRAL)، فضلًا عن المراكز الإقليمية والعربية مثل مركز التحكيم السعودي (SCCA) ومركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي (CRCICA).

هذه القواعد لا تُعد قوانين بالمعنى التشريعي، لكنها تشكل ما يُعرف بـ Lex Proceduralis أي “القانون الإجرائي الخاص بالتحكيم”، وهي التي تحدد كيفية تقديم طلب التحكيم، وتشكيل الهيئة، وإدارة المرافعات، وإصدار الحكم، وسلطات الهيئة في إدارة الدعوى. ويُلاحظ أن معظم هذه القواعد تمنح هيئة التحكيم سلطة تقديرية واسعة عند غياب اتفاق الأطراف على القانون الواجب التطبيق، بما يعكس الاتجاه الحديث في التحكيم نحو المرونة والاستقلال عن قيود القانون الوطني [12].

فعلى سبيل المثال، تنص المادة (38/1) من قواعد مركز التحكيم السعودي (SCCA) لعام 2023 على أن:

“تطبق هيئة التحكيم القواعد القانونية التي يختارها الأطراف، وإذا لم يتفقوا على ذلك، فتطبق الهيئة القواعد القانونية التي تراها الأنسب بالنظر إلى ظروف النزاع.” هذا النص يتطابق في مضمونه مع المادة (21/1) من قواعد غرفة التجارة الدولية (ICC)، مما يؤكد تبني النظام السعودي لأحدث الاتجاهات الدولية التي تمنح المحكمين سلطة اختيار القانون مباشرة دون التقيد بقواعد الإسناد الوطنية. كما تنص المادة (2) من نظام التحكيم السعودي لعام 2012 على مبدأ استقلال إرادة الأطراف في اختيار القانون الواجب التطبيق، مما يكرس الانسجام بين الإطار التشريعي الوطني والقواعد الإجرائية للمركز.

أما في قواعد مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي (CRCICA)، فنجد المادة (33) تنص على أن:

“تطبق هيئة التحكيم القانون الذي اتفق عليه الأطراف، وفي حالة عدم وجود اتفاق، تطبق الهيئة القانون الذي ترى أنه الأكثر اتصالًا بالنزاع.” ويُلاحظ أن هذا النص يتبنى ذات الفلسفة التي تقوم عليها قواعد الأونسيترال (UNCITRAL Rules) لعام 2010، حيث تمنح المحكمين سلطة تقديرية مباشرة لاختيار القانون، استنادًا إلى معيار “أوثق الصلات” (the closest connection test).

ويكشف هذا التماثل بين القواعد العربية والدولية أن المراكز العربية أصبحت تتبنى منهجًا موحدًا في منح هيئة التحكيم المرونة الكاملة في تحديد القانون الواجب التطبيق، سواء في الجانب الموضوعي أو الإجرائي. فاختيار المركز التحكيمي من قِبل الأطراف يعني ضمنيًا قبولهم بتطبيق قواعده الإجرائية، وهو ما يعبر عنه فقه التحكيم بمبدأ “القبول الضمني لقواعد المؤسسة المختارة” (implied consent to institutional rules).

وفي الممارسة العملية، نجد أن القواعد الإجرائية لهذه المراكز لا تقتصر على تنظيم الإجراءات الشكلية فحسب، بل تؤثر فعليًا في تحديد القانون الموضوعي الذي يحكم النزاع. فالمحكم عندما يسترشد بالقواعد الإجرائية التي تمنحه حرية اختيار القانون، يصبح أكثر قدرة على تكييف العلاقة القانونية بما يحقق العدالة والملاءمة دون قيود جامدة. وهذا ينسجم مع الاتجاه الدولي الذي يفضل “الطريق المباشر” (voie directe) لتحديد القانون الواجب التطبيق، بدلًا من الالتزام بقواعد الإسناد التقليدية.

ومن الناحية النظرية، تمثل قواعد هذه المراكز سواء الدولية أو العربية خطوة نحو بناء نظام تحكيمي متكامل ومستقل عن الأنظمة القضائية الوطنية، مع الإبقاء على قانون مقر التحكيم (Lex Arbitri) كإطار ضابط عام للأحكام المتعلقة بصحة الإجراءات وبطلان الأحكام وتنفيذها. وهكذا يتحقق التوازن بين مرونة القواعد المؤسسية وسيادة القواعد الوطنية في الحدود التي لا تمس جوهر استقلالية التحكيم.

خامساً: التحكيم الاستثماري، اتفاقيات المعاهدات الثنائية (BITs) ودور القانون الدولي والمعاهدات

في التحكيم الاستثماري يضاف بعدٌ آخر لأن قواعد معاهدات الاستثمار بين الدول (BIT) تفرض قواعد خاصة على مسائل الكيفية والجوهر، فمصادر حقوق المستثمر وتوافر الحماية لا تُستمد دائماً من القانون الوطني وحده بل من نصوص المعاهدة نفسها، التي تُعد قانونًا دوليًا ملزماً للجهات المتعاقدة. في مثل هذه القضايا، يطبق المحكمون أحكام المعاهدة في شؤون الحماية والتعويض، ويستعينون بالقانون الوطني أو بمبادئ عامة كأدوات مكملة لتحديد التعويضات أو القواعد الإجرائية. لهذا السبب يختلف منهج اختيار القانون في قضايا الاستثمار عن القضايا التجارية البحتة [13].

سادساً: مبدأ إرادة الأطراف (Party Autonomy / Choice of Law) ودوره في التحكيم

من أعمدة التحكيم الدولي مبدأ «حرية الأطراف» في تحديد القانون الواجب التطبيق، وهو مبدأ عملي وأساسي، طالما اتفق الطرفان صراحة على أن «القانون X هو الواجب التطبيق»، فإن هيئة التحكيم ملزمة بتطبيق ذلك القانون على مسائل الجوهر [14]. هذه الحرية تمتد لتشمل ليس فقط تسليم طرف بصيغة اسم القانون الوطني، بل قد تشمل اختيار قواعد أو مبادئ دولية مثل UNIDROIT Principles أو CISG أو حتى lex mercatoria إذا اتفق الطرفان على ذلك. ومع ذلك فإن الحرية ليست مطلقة [15]، توجد قواعد قسرية في نظم وطنية (mandatory rules / lois de police) والنظام العام (public policy) التي قد تمنع تنفيذ أو قبول اتفاقات مرتهنة بالتحايل على حماية لحقوق أساسية (مثل حماية المستهلك أو قواعد المنافسة أو أحكام الشريعة في بلدان معينة). لذلك يطبق المحكمون القانون المختار، لكن مع مراعاة حدود القواعد القسرية في الدول ذات الصلة التي قد تؤثر لاحقًا على النفاذ أو التنفيذ. هذه المعادلة (اختيار الأطراف مقابل حدود النظام العام) هي من أكثر القضايا تعقيدًا في التطبيق العملي [16].

سابعاً: ماذا تفعل هيئة التحكيم عمليًا عند وجود اختيار صريح للقانون؟

حين يختار الطرفان قانونًا صريحًا، تُعطى الهيئة إطارًا واضحًا للعمل، تطبّق قواعد هذا القانون على مسائل التفسير، تنفيذ الالتزامات، قياس الأضرار، حدود البطلان، ولا يجوز لها الاستبدال بمجموعة قواعد أخرى إلا باتفاق صريح. على سبيل المثال، لو نص العقد صراحة «this contract is governed by the laws of England and Wales»، فالمحكّم سيستخدم مبادئ القانون الإنجليزي في تفسير شروط العقد ومعالجة مسائل العقدية، بينما يظل قانون المقرّ هو المرجع في مسائل الإجراءات والطعن بالشكل. من الناحية العملية، على المحكمين أن يوضّحوا في أسباب القرار القانون المختار وكيفية تطبيق الأحكام القسرية ذات الصلة، لأن هذه الشفافية تسهل مراحل التنفيذ أمام محاكم بلد التنفيذ أو الطعن أمام محاكم المقر [17]. مبادئ UNCITRAL نصّت صراحة على أن المحكم يطبق ما اتفق عليه الطرفان من قواعد قانونية على الجوهر، وأنه عند غياب اختيارٍ صريح يكون له السلطة في تحديد القانون المناسب [18].

ثامناً: غياب الاختيار الصريح للقانون الواجب التطبيق

عندما لا يحدد الأطراف قانونًا صريحًا، يسلك المحكمون تسلسلًا عمليًا مبرّرًا للوصول إلى القانون الواجب التطبيق. أولاً، يبحثون عن اختيار ضمني في البنود العقدية أو سلوك الأطراف، الإشارة إلى مكان الأداء، العملة المتفق عليها، المراجع الفنية أو المعايير، أو طرق الدفع والترخيص قد تكشف عن نية ضمنية لتطبيق نظام قانوني محدد. ثانياً، إذا لم يظهر اختيار ضمني، غالبًا ما يتجه المحكّم إلى قواعد الإحالة في قانون المقرّ (lex arbitri) لاستخلاص القانون الموضوعي؛ هذه القاعدة لضمان انسجامٍ منهجي مع الإطار الذي يحكم الإجراءات التحكيمية [19]. ثالثًا، إن بقيت المسألة دون حسم، يستخدم المحكم منهج الأقرب صلة أو الأكثر ارتباطًا  (Closest Connection) [20] يفحص سلسلة من العوامل الموضوعية مكان الأداء الحقيقي، مكان إبرام العقد، مكان وجود الأصول محل النزاع، موقع مركز المصالح التجارية لكل طرف، وطبيعة الالتزام ويختار القانون الذي يحمل الصلة الأقوى بالوقائع. رابعًا، ولو كانت الوقائع متعددة الجنسيات إلى درجة تجعل القانون الوطني غير مناسب أو قد يفضي إلى نتائج متضاربة، قد يلجأ المحكم إلى قواعد أو مبادئ عابرة للحدود مثل مبادئ UNIDROIT أو CISG أو مبادئ lex mercatoria لتأمين حلّ يُعترف به على نحوٍ أوسع دوليًا. هذه الخطوات ينبغي أن تُوثَّق في أسباب الحكم لأن محاكم التنفيذ أو الطعن ستراجع مدى معقولية منطق المحكم في اختيار القانون [21].

ختاماً

إن القانون الواجب التطبيق في التحكيم الدولي هو مسألة مركبة تتداخل فيها قواعد القانون الدولي الخاص مع مبادئ التحكيم ذات الطابع التعاقدي والإجرائي. الميزة العملية للتحكيم تكمن في حرية الأطراف لاختيار القانون والمقرّ، ولكن هذه الحرية تعمل ضمن حدود القواعد القسرية والنظام العام للدول ذات الصلة. في كل حالة، ينبغي على المحكم أن يتبع منهجًا منطقيًا وموثَّقًا، تحرّي اختيار الأطراف صراحة، البحث عن اختيار ضمني، الرجوع إلى قواعد الإحالة في lex arbitri، تطبيق معيار الأقرب صلة عند الحاجة، واللجوء إلى قواعد دولية أو مبادئ عامة كحل تكميلي حيثما لا ينفع القانون الوطني. هذا المنهج يُقلل مخاطر الطعن ويزيد فرص التنفيذ الفعّال للحكم التحكيمي عبر الحدود.

المراجع

1.     Redfern, Alan & Hunter, Martin, Law and Practice of International Commercial Arbitration, 6th ed., Oxford University Press, 2015, p. 205.

2.     Gary Born, International Commercial Arbitration, 2nd edn (Kluwer Law International, 2014), p. 2137

3.     أشرف وفا محمد، القانون الدولي الخاص: تنازع القوانين – تنازع الاختصاص القضائي الدولي – أحكام الأجنبية (الطبعة الأولى، 2022) ص 5 ، 66.

4.     نبيل سليم، القانون الدولي الخاص وتنازع القوانين، دار النهضة العربية، القاهرة، 2019، صـ 77.

5.     Redfern & Hunter, Law and Practice of International Commercial Arbitration, 6th ed., Oxford University Press, 2015, p. 107.

6.     Redfern and Hunter, Law and Practice of International Commercial Arbitration, 6th edn (Oxford University Press, 2015), pp. 211–214.

7.     Brazilian Arbitration Act 1996, s. 2; English Arbitration Act 1996, s. 46(1); French Code of Civil Procedure, Art. 1511; German ZPO 1998 , Art. 1051(1); Indian Arbitration and Conciliation Act 1996, s. 28(1)(b); Russian International Arbitration Law 1993, s. 28; Swiss PIL, s. 187(1 Law No. 27 of 1994 (Egyptian Arbitration Law), Article 39.

8.     Nigel Blackaby, Constantine Partasides, Alan Redfern and Martin Hunter, Redfern and Hunter on International Arbitration (6th edn, OUP 2015) paras 3.53–3.59.

9.     United Nations, Convention on the Recognition and Enforcement of Foreign Arbitral Awards (adopted 10 June 1958, entered into force 7 June 1959) 330 UNTS 3 (New York Convention) Art V(1)(d).

10.  قانون الأونسيترال النموذجي لعام 1985 (المعدل 2006) الذي نص في المادة (28/1)

11.  Gary Born, International Commercial Arbitration (3rd edn, Kluwer Law International 2021) 1531–1534.

12.  International Law Commission, Model Rules on Arbitral Procedure (adopted 1958, UN 2005) Yearbook of the International Law Commission 1958, vol II, Article 1. https://share.google/w80ivCEHwjC5zrwCX

13.  Christoph Schreuer, Jurisdiction and Applicable Law in Investment Treaty Arbitration (2014). https://share.google/LUMYG9hNQXuAB4zvg

14.  Redfern and Hunter, with Blackaby and Partasides, Law and Practice of International Commercial Arbitration, 4th Edition, 2004 at p 315.

15.  Holtzmann and Neuhaus, “A Guide to the UNCITRAL Model Law on International Commercial Arbitration: Legislative History and Commentary” p. 556 – 567.

16.  Fouchard, Gaillard, Goldman, International Commercial Arbitration (Edited by Gaillard and Savage) 1999 at page 212.

17.  Holtzmann and Neuhaus, “A Guide to the UNCITRAL Model Law on International  Commercial Arbitration Legislative History and Commentary” p. 583.

18.  د. محمود سمير الشرقاوي، مجلة التحكيم العربي، العدد الثاني ص ٢٦.

19.  Black-Clawson v Papierwerke [1981] 2 Lloyds Rep 446, 483; Channel Tunnel Group Ltd v Balfour Beatty Construction Ltd [1993] AC 334; England, Lord Mustill said (357A – 358A); Miller v Whitworth Estates [1970] AC at page 587 B-E.

20.  Fathi Wali, The Law of Arbitration in Theory and Practice (1st edn, Manshat al-Maaref, Alexandria 2007). Page 422 – 432.

21.  Redfern and Hunter, with Blackaby and Partasides, Law and Practice of International Commercial Arbitration, 4th Edition, 2004 at p 355.

لا تعليق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *