يُعد اتفاق التحكيم حجر الأساس الذي يقوم عليه نظام التحكيم التجاري الدولي، إذ يُنشئ العلاقة القانونية بين الأطراف وهيئة التحكيم ويُحدد نطاق ولايتها، كما يُعد تجسيدًا واضحًا لمبدأ سلطان الإرادة الذي يميز هذا النظام عن القضاء الوطني. فالتحكيم لا يمكن أن يقوم دون إرادة الأطراف، فهو آلية اختيارية بالكامل تستمد شرعيتها من اتفاق التحكيم ذاته، الذي يُعد بمثابة “دستور” العملية التحكيمية.
وقد أكدت اتفاقية نيويورك لعام 1958 في مادتها الثانية أن الدول الأطراف تلتزم بالاعتراف باتفاق التحكيم وإحالـة النزاع إلى التحكيم متى كان الاتفاق صحيحًا ونافذًا. كما تُعد قواعد الأونسيترال للتحكيم الإطار الإجرائي الأكثر تأثيرًا في تشكيل مفاهيم الاتفاق وصحته، وهو ما عزز من الطابع الدولي الموحد لقواعد التحكيم عبر الأنظمة القانونية المختلفة.
أولاً: الطبيعة القانونية لاتفاق التحكيم
تُثير الطبيعة القانونية لاتفاق التحكيم جدلاً فقهيًا حول ما إذا كان عقدًا ذا طبيعة مدنية بحتة أم اتفاقًا إجرائيًا، أم يجمع بين الأمرين معًا. والرأي الراجح في الفقه الدولي، كما ذهب إليه الفقيه Gary Born في كتابه International Commercial Arbitration (2021)، يرى أن اتفاق التحكيم يتمتع بطبيعة مزدوجة:
فهو عقديّ من حيث إنه يقوم على التراضي، وإجرائيّ من حيث إنه يُنشئ ولاية خاصة للمحكمين ويُقصي اختصاص المحاكم الوطنية. هذه الطبيعة المزدوجة تفسر سبب خضوع الاتفاق لقواعد موضوعية (كالأهلية والرضا) وشكلية (كالكتابة)، في الوقت ذاته. [1]
وقد أكد القضاء الدولي هذا المفهوم في قضية Fiona Trust & Holding Corp. v. Privalov (2007)، حيث قررت House of Lords أن “شرط التحكيم يجب أن يُفسَّر تفسيرًا واسعًا ليشمل كل نزاع ينشأ عن العلاقة التعاقدية ما لم يُستبعد صراحة”. هذا الحكم رسّخ مبدأ “الوحدة التفسيرية” الذي يُحافظ على فعالية الاتفاق ويمنع التلاعب بتجزئته.
ثانياً: صور اتفاق التحكيم
ينقسم اتفاق التحكيم إلى صورتين أساسيتين هما شرط التحكيم ومشارطة التحكيم، وتنبثق من هاتين الصورتين معظم الإشكاليات العملية في التحكيم التجاري الدولي. [2]
أ) شرط التحكيم
هو اتفاق يُدرج عادة ضمن العقد التجاري قبل وقوع النزاع، وينص على أن أي نزاع ينشأ مستقبلاً بين الأطراف يُحال إلى التحكيم. وتبرز أهمية هذه الصورة في كونها آلية “وقائية” تحفظ استقرار العلاقات التعاقدية قبل نشوء النزاع. وقد أكدت محكمة النقض الفرنسية في حكم Dalico v. Khoms Import Export (1994) على مبدأ استقلال شرط التحكيم عن العقد الأصلي، معتبرة أن “بطلان العقد لا يؤدي تلقائيًا إلى بطلان شرط التحكيم”. ويعني ذلك أن وجود شرط التحكيم يُنشئ علاقة قانونية قائمة بذاتها تظل نافذة حتى في حال زوال العقد الأصلي لأي سبب.
ب) مشارطة التحكيم
أما مشارطة التحكيم فهي اتفاق مستقل يُبرم بعد نشوء النزاع، حيث يتفق الأطراف على اللجوء للتحكيم لتسوية نزاع محدد بينهم. وتُعتبر هذه الصورة أكثر دقة لأنها تأتي بعد معرفة موضوع النزاع وأطرافه ومقدار الالتزامات بينهما. وقد طبقت غرفة التجارة الدولية (ICC) هذا المفهوم في عدة قضايا، من بينها ICC Case No. 3131/1979، حيث أبرم الطرفان مشارطة تحكيم بعد نشوء النزاع وحددوا من خلالها القانون الواجب التطبيق وهيئة التحكيم، فاعتبرت الهيئة أن هذا الاتفاق “تأكيد لاحق لإرادة تحكيمية كانت قائمة ضمن العلاقة الأصلية”.
ويكمن الخلاف الجوهري بين شرط التحكيم ومشارطة التحكيم في العناصر الجوهرية التي لابد أن تتواجد في كل صورة منهم، حيث ان اتفاق التحكيم عادةً ما يُصاغ بشكل غير تفصيلي ولا يمكن تحديد موضوع النزاع، يكفي ان يحتوي على الأمور الجوهرية (من تحديد مؤسسة التحكيم وعدد المحكمين والقانون واجب التطبيق ولغة التحكيم ومكانه او مقره وهكذا) أو حتى على رغبة الأطراف في اللجوء إلى التحكيم، أما المشارطة فلابد من ذكر تفاصيل جوهرية تشمل تحديد موضوع النزاع، واختيار المحكمين، وذلك لصحة المشارطة كاتفاق تحكيم نافذ.
ثالثاً: الشروط الموضوعية لاتفاق التحكيم
تمثل الشروط الموضوعية العمود الفقري لصحة اتفاق التحكيم، إذ تتعلق بجوهر الإرادة القانونية ومضمون الالتزام ذاته. وتشمل هذه الشروط: الرضا، والأهلية، والمحل، والسبب. [3]
أ) الرضا
يُعدّ الرضا حجر الزاوية في تكوين اتفاق التحكيم، لأنه يعكس الإرادة الحرة للطرفين في اختيار وسيلة التحكيم بدلاً من القضاء الوطني. ويجب أن يكون الرضا صريحًا أو ضمنيًا خاليًا من عيوب الإرادة كالخطأ أو الغلط أو الإكراه. وقد طورت الممارسة الدولية مفهوم “الرضا الضمني” بحيث يُستدل عليه من سلوك الأطراف، كما في قضية Dow Chemical v. Isover Saint-Gobain (1982)، حيث اعتبرت هيئة التحكيم أن الشركات التابعة التي لم توقّع على العقد لكنها شاركت في تنفيذه تُعدّ ملتزمة بشرط التحكيم لأن سلوكها عكس إرادة ضمنية بالالتزام. ومن خلال هذا المبدأ، أصبح الرضا في التحكيم مفهومًا مرنًا يتجاوز الشكليات لصالح جوهر الإرادة المشتركة.
ب) الأهلية
يشترط لصحة اتفاق التحكيم أن يكون الطرفان متمتعين بالأهلية القانونية الكاملة لإبرامه.
وفي التحكيم الدولي، كثيرًا ما تُثار مسألة أهلية الدول والهيئات العامة. وقد حسمت قضية Texaco v. Libya (1977) هذه المسألة حين أكدت هيئة التحكيم أن “الدولة عندما تبرم عقدًا استثماريًا مع طرف خاص فإنها تخضع لنفس الالتزامات”. وبالتالي، فالدولة لا تستطيع التذرع بالسيادة للتنصل من اتفاق تحكيمي أبرمته بإرادتها، وإلا فقد التحكيم الدولي معناه.
ج) المحل
المحل في اتفاق التحكيم يتمثل في النزاع القابل للتحكيم. فليس كل نزاع يصلح للتحكيم، إذ تُستبعد المسائل ذات الصلة بالنظام العام أو السيادة أو الحقوق غير القابلة للتصرف. ومع ذلك، اتجهت المحاكم الدولية إلى توسيع نطاق القابلية للتحكيم. ففي قضية Mitsubishi Motors v. Soler Chrysler-Plymouth (1985)، قررت المحكمة العليا الأمريكية أن نزاعات مكافحة الاحتكار يمكن أن تكون قابلة للتحكيم، لأن التحكيم وسيلة فعالة لحماية المصالح الاقتصادية المشروعة دون المساس بالنظام العام. هذا الحكم مثّل تحولًا في الفكر القانوني من “التحفظ على التحكيم” إلى “الثقة في التحكيم”.
د) السبب
السبب هو الغاية القانونية المشروعة التي من أجلها أُبرم الاتفاق التحكيمي، وهي عادةً رغبة الأطراف في تسوية نزاعهم بطريقة حيادية وسرية وفعالة. ويُشترط أن يكون السبب مشروعًا وغير مخالف للنظام العام. لكن حتى لو كان العقد الأصلي غير مشروع، فقد أكدت المحاكم الدولية أن شرط التحكيم يظل صحيحًا ومستقلًا. ففي قضية Westacre Investments v. Jugoimport (1999)، رفضت المحكمة الإنجليزية إبطال شرط التحكيم رغم ادعاء أحد الأطراف أن العقد ينطوي على فساد، لأن الغرض من التحكيم نفسه أي تسوية النزاع بطريقة عادلة يظل مشروعًا. وهذا يكرس فكرة أن السبب في التحكيم منفصل عن السبب في العقد.
رابعاً: الشروط الشكلية لاتفاق التحكيم
تُعد الكتابة من أبرز الشروط الشكلية لاتفاق التحكيم، وهي الضمان الأساسي لجدّية الإرادة والتحقّق من وجود الاتفاق ذاته. فبينما تركز الشروط الموضوعية على الإرادة والمحل والسبب، فإن شرط الكتابة يمثل الإطار الخارجي الذي يعبّر من خلاله الطرفان عن إرادتهما في استبعاد القضاء العادي والالتجاء إلى التحكيم.
في المجال الدولي، تؤكد اتفاقية نيويورك لعام 1958 (المادة الثانية/2) على أن اتفاق التحكيم يجب أن يكون مكتوبًا، سواء كان في صورة شرط تحكيم داخل العقد أو مشارطة تحكيم مستقلة، ويكفي أن يكون هذا الاتفاق واردًا في تبادل للخطابات أو البرقيات أو أية وسيلة اتصال حديثة تثبت وجود إرادة متبادلة.
كما نصت قواعد الأونسيترال للتحكيم (UNCITRAL Arbitration Rules) [4] في المادة (1/2) على أن وجود شرط مكتوب أو ما يعادله من وسائط إلكترونية يُعتد به طالما يعبّر بوضوح عن نية الطرفين.
وقد توسّعت المراكز التحكيمية الدولية، مثل محكمة لندن للتحكيم الدولي (LCIA) ومحكمة التحكيم التابعة لغرفة التجارة الدولية (ICC)، في تفسير مفهوم الكتابة لتواكب التطور التقني، فأصبحت المراسلات الإلكترونية ورسائل البريد المعتمدة تعد كتابة صحيحة إذا كانت تتيح التحقق من هوية الطرف المرسل وتعبّر عن اتفاق جدي. في قضية (ICC Case No. 6379, 1990)، اعتبرت هيئة التحكيم أن تبادل الرسائل الفاكسية الذي تضمّن شرطًا للتحكيم يكفي لتوافر شرط الكتابة، لأن المقصود هو إثبات الإرادة لا الشكل التقليدي الورقي.
وتبرز أهمية شرط الكتابة في أنه يمكّن هيئة التحكيم أو القضاء من التحقق من وجود الاتفاق وصحته عند الدفع بعدم الاختصاص. ففي قضية Fiona Trust & Holding Corporation v Privalov [2007] UKHL 40، شددت محكمة اللوردات على ضرورة تفسير اتفاق التحكيم بطريقة تؤيد بقاءه كلما ثبت وجود نية مكتوبة صريحة أو ضمنية للتحكيم، حتى لو كانت صياغته غير دقيقة تمامًا. إذن، يمكن القول إن شرط الكتابة لم يعد شكلاً جامدًا، بل هو وسيلة إثبات مرنة في التحكيم الدولي، تتطور مع الوسائل الحديثة، شريطة أن تُظهر بوضوح وجود التزام متبادل بإحالة النزاع إلى التحكيم.
خامسًا: استقلال شرط التحكيم ومبدأ بقائه (Doctrine of Separability and Principle of Survival)
يُعد مبدأ استقلال شرط التحكيم أو ما يُعرف في الفقه الأنجلوساكسوني بـ “Doctrine of Separability” من أهم المبادئ التي أرستها الممارسة التحكيمية الدولية لضمان استقرار نظام التحكيم وحماية إرادة الأطراف. فقد كان الخلط بين العقد الأصلي وبين شرط التحكيم المضمّن فيه سببًا لكثير من النزاعات حول مدى استمرار صلاحية شرط التحكيم عندما يُدّعى بطلان أو فسخ العقد ذاته. [5]
يقوم هذا المبدأ على فكرة بسيطة، ولكنها جوهرية: أن شرط التحكيم، وإن كان جزءًا من العقد الأصلي من حيث الشكل، إلا أنه يُعد عقدًا مستقلاً من حيث المضمون، بحيث تبقى إرادة اللجوء إلى التحكيم قائمة حتى لو زال العقد الأصلي لأي سبب كان. فالموافقة على التحكيم هي التزام قانوني منفصل عن الالتزامات التعاقدية الأخرى، وبالتالي لا يتأثر بعيوب أو إنهاء العقد الرئيسي.
وقد كرّست المادة 16/1 من قانون الأونسيترال النموذجي لعام 1985 (UNCITRAL Model Law) هذا المبدأ بوضوح، حيث نصت على أن “اتفاق التحكيم يعتبر مستقلاً عن شروط العقد الأخرى، ولا يترتب على بطلان العقد أي أثر على اتفاق التحكيم”. كما تبنّت اتفاقية نيويورك لعام 1958 ذات الروح من خلال اشتراطها في المادة الثانية احترام اتفاق التحكيم طالما ثبت وجوده واستقلال إرادة الأطراف فيه.
أكدت الاجتهادات الدولية هذا الاتجاه؛ ففي القضية الشهيرة Heyman v. Darwins Ltd. (1942) A.C. 356 أمام مجلس اللوردات البريطاني، قررت المحكمة أن شرط التحكيم يبقى نافذًا حتى وإن انتهى العقد الأصلي، لأن التحكيم لا يتعلق بالتزامات العقد بل بوسيلة تسوية المنازعات الناشئة عنه.
وفي قضية Fiona Trust & Holding Corporation v. Privalov [2007] UKHL 40، رسخت محكمة اللوردات هذا المبدأ بشكل قاطع، معتبرة أن الأصل هو بقاء شرط التحكيم ما لم يثبت العكس بوضوح. قالت المحكمة إن “من غير المعقول أن يقصد الأطراف أن يختفي اتفاق التحكيم بمجرد وجود خلاف حول صحة العقد ذاته، لأن ذلك سيقوض الغاية من وجود التحكيم كآلية محايدة للفصل في تلك المنازعات”.
ويُعرف المبدأ المكمل لاستقلال شرط التحكيم باسم “مبدأ بقاء اتفاق التحكيم (Principle of Survival or Validity Preservation)”، والذي يهدف إلى حماية الاتفاق من السقوط بسبب عيوب شكلية أو مادية طالما أمكن تفسيره بطريقة تجعله قابلاً للتنفيذ. فالمؤسسات التحكيمية الدولية مثل محكمة التحكيم التابعة لغرفة التجارة الدولية (ICC) ومركز لندن للتحكيم الدولي (LCIA) تميل إلى تبني تفسير “مؤيّد للتحكيم (Pro-Arbitration Interpretation)”، أي أن الشك يُفسر لصالح بقاء الاتفاق.
ويؤدي هذا المبدأ إلى نتيجة عملية مهمة: حتى في حال الادعاء بأن العقد الأصلي تم فسخه أو أُبطل لعيب في الرضا أو المحل أو لعدم المشروعية، فإن النزاع حول صحة العقد ذاته يظل من اختصاص هيئة التحكيم طالما لم يثبت أن الاتفاق على التحكيم ذاته كان معيبًا. وهذا ما أكدته قضية Prima Paint Corp. v. Flood & Conklin Mfg. Co. (1967) [6] أمام المحكمة العليا الأمريكية، حيث رُفض الدفع بأن بطلان العقد الأصلي يؤدي لبطلان شرط التحكيم، واعتبرت المحكمة أن الأخير يبقى نافذًا ما لم يثبت أنه بذاته وليد غش أو إكراه.
ومن ثم، يُعد مبدأ الاستقلال والبقاء حجر الزاوية الذي يقوم عليه نظام التحكيم الدولي، لأنه يحقق استقرار الإجراءات التحكيمية ويمنع الأطراف من التذرع بفساد العقد الأصلي كوسيلة للتهرب من التحكيم. وهو ما جعل الفقه يعتبره من “القواعد العرفية الراسخة” في القانون التحكيمي الدولي.
سادسًا: الاتفاقيات التحكيمية المعيبة (Pathological Arbitration Clauses)
رغم أن نية الأطراف هي الركيزة الأساسية في التحكيم، إلا أن صياغة بعض شروط التحكيم تأتي بطريقة غامضة أو متناقضة أو ناقصة تجعل تنفيذها صعبًا أو غير ممكن، وهنا يظهر ما يُعرف بالـ “Pathological Arbitration Clauses” أي “الاتفاقيات التحكيمية المعيبة”. أول من صاغ هذا التعبير هو الفقيه الفرنسي Frédéric Eisemann عام 1974، مشيرًا إلى أن بعض البنود “مريضة منذ ولادتها” لأنها لا تفي بالغرض الأساسي من التحكيم، وهو تمكين الأطراف من تسوية نزاعهم بطريقة فعالة ومحايدة.
تتنوع مظاهر هذه العيوب، فقد يكون الخلل في تعيين الهيئة التحكيمية أو المؤسسة، أو في القواعد الإجرائية، أو في تحديد نطاق الاختصاص، أو حتى في التوفيق بين التحكيم والقضاء الوطني.
فعلى سبيل المثال، قد ينص أحد البنود على أن “أي نزاع يُحال إلى التحكيم أو إلى محاكم الدولة حسب اختيار الطرف المدعي”، وهو بند يُخل بمبدأ المساواة واليقين، لأن أحد الأطراف يمتلك سلطة الانفراد بتحديد الجهة المختصة. كما قد تنص بعض البنود على اللجوء إلى “محكمة التحكيم في باريس التابعة لغرفة تجارة بيروت”، وهو شرط متناقض يجعل تحديد المؤسسة مستحيلاً. [7]
ورغم هذه العيوب، فإن الاتجاه الدولي الحديث لا يميل إلى إبطال هذه البنود تلقائيًا، بل يسعى إلى تصحيحها وتفسيرها بما يحقق إرادة الأطراف الجوهرية. ففي قضية (ICC Case No. 4145, 1982)، نص الشرط التحكيمي على “تحكيم أمام غرفة التجارة في باريس”، وهي مؤسسة غير موجودة، لكن هيئة التحكيم اعتبرت المقصود هو “محكمة التحكيم التابعة لغرفة التجارة الدولية (ICC)” وقضت بصحة الاتفاق.
كذلك في قضية Insigma Technology Co. Ltd. v. Alstom Technology Ltd. [2009] SGCA 24، دمج الشرط بين قواعد محكمة التحكيم التابعة لغرفة التجارة الدولية ICC ومركز سنغافورة للتحكيم SIAC، فتمسكت جهة الدفاع ببطلانه، غير أن محكمة سنغافورة أقرت بصحته على أساس أن الأطراف قصدوا تحكيماً مؤسسياً، وأن تعيين مؤسسة واحدة لاحقًا لا يخل بجوهر الاتفاق. [8]
يتضح من هذه الاتجاهات أن الفقه والقضاء الدولي يسعيان لتطبيق مبدأ “effet utile” أي الفاعلية العملية للاتفاق، بحيث يُفسر الشرط التحكيمي تفسيرًا يحافظ على إرادة الأطراف قدر الإمكان، طالما أن نيتهم الأصلية كانت إحالة النزاعات إلى التحكيم. وفي هذا السياق، تُشجّع المؤسسات الكبرى مثل محكمة التحكيم التابعة لغرفة التجارة الدولية في باريس ICC ومحكمة تحكيم لندن LCIA والمركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار ICSID الأطراف على اعتماد نماذج معيارية لشروط التحكيم لتجنّب هذه الإشكالات، مع تأكيدهم على إمكانية تصحيح البنود غير الدقيقة إذا أمكن فهم مقصد الأطراف بوضوح.
إجمالًا، يمكن القول إن التحكيم الدولي يتبنى فلسفة تصحيحية أكثر من فلسفة عقابية تجاه العيوب الشكلية أو عيوب الصياغة، فالمعيار الأساسي ليس كمال الصياغة، بل وضوح الإرادة. ومن هنا تتقاطع فكرة “الاتفاق المعيب” مع مبدأ “بقاء الاتفاق” لتؤكد أن التحكيم يقوم على تغليب النية الجوهرية على الشكليات، تحقيقًا للأمن القانوني وسرعة تسوية المنازعات في العلاقات التجارية الدولية. [10]
خاتمة
إن اتفاق التحكيم في التحكيم التجاري والقانون الدولي يُمثل حجر الزاوية في النظام التحكيمي العالمي، لأنه يجمع بين الطابع التعاقدي والإجرائي في آنٍ واحد، ويعبّر عن إرادة الأطراف في إنشاء “عدالة خاصة” قائمة على الحياد والثقة والسرعة. ومع تطور الممارسة الدولية، أصبحت الهيئات القضائية والتحكيمية تتعامل مع الاتفاق التحكيمي بمرونة تهدف إلى دعم نفاذه واستقراره، وليس إلى تعطيله لأسباب شكلية.
فالقضاء الدولي اليوم يُفسر الاتفاق بروح من الثقة في إرادة الأطراف، ويُكرس مبدأ استقلال الشرط التحكيمي واستمراره حتى في حالات العيب أو البطلان الجزئي، تأكيدًا على أن التحكيم ليس مجرد وسيلة بديلة، بل هو ركيزة من ركائز العدالة التجارية الدولية.
المراجع
- Rocco Alfredo: La sentenza civile, Milano 1962 no15p.33
- Nigel Blackaby, Constantine Partasides QC, Alan Redfern and Martin Hunter, Redfern and Hunter on International Arbitration (6th edn, Oxford University Press, 1 Great Clarendon Street, Oxford, OX2 6DP, United Kingdom, 2015).
- Jan Paulsson, The Idea of Arbitration (1st edn, Oxford University Press, Great Clarendon Street, Oxford, OX2 6DP, United Kingdom, 2013).
- Fathi Wali, The Law of Arbitration in Theory and Practice (1st edn, Manshat al-Maaref, Alexandria 2007).
- UNCITRAL Model Law on International Commercial Arbitration, U.N. Doc. A/40/17, Annex I (June 21, 1985), as amended by U.N. Doc. A/61/17, Annex I (July 7, 2006). https://uncitral.un.org/sites/uncitral.un.org/files/media-documents/uncitral/en/19-09955_e_ebook.pdf
- PRIMA PAINT v. FLOOD & CONKLIN 388 U.S. 395 (1967)
- Gary B Born, International Commercial Arbitration (3rd edn, Kluwer Law International BV, PO Box 316, 2400 AH Alphen aan den Rijn, The Netherlands, 2021).
- Insigma Technology Co Ltd v Alstom Technology Ltd [2009] SGCA 24. https://www.commonlii.org/sg/cases/SGCA/2009/24.pdf
- Laurence Shore, Vittoria De Benedetti, Mario de Nitto Personè, ‘A Pathology (Yet) to Be Cured?’, (2022), 39, Journal of International Arbitration, Issue 3, pp. 365-378, https://kluwerlawonline.com/journalarticle/Journal+of+International+Arbitration/39.2/JOIA2022016
- Julian D. M. Lew, Applicable Law in International Commercial Arbitration, 1st ed., Dobbs Ferry, New York: Oceana Publications Inc., 1978, p. 50.

لا تعليق