التحكيم الحر أم المؤسسي؟ أي مسار يمنح الأطراف مرونة أكبر؟


يحتل التحكيم مكانة بارزة بين وسائل تسوية المنازعات، لما يتيحه من مرونة في الإجراءات وإمكانية منح الأطراف دورًا في اختيار المحكمين وتنظيم سير الخصومة، وهو ما أسهم في اتساع نطاق اللجوء إليه في المنازعات التجارية الوطنية والدولية.

وتتنوع صور التحكيم بحسب طريقة تنظيم إجراءاته، ويأتي في مقدمتها التحكيم الحر والتحكيم المؤسسي؛ ففي الأول يتمتع الأطراف بقدر أكبر من الحرية في اختيار المحكمين وتنظيم الإجراءات، بينما يجري الثاني في إطار مركز أو مؤسسة تحكيمية وفق قواعدها المنظمة. وقد أتاح نظام التحكيم السعودي الساري للأطراف مساحة واسعة للاتفاق على الإجراءات والقواعد التي تتبعها هيئة التحكيم.

التحكيم الحر:

قبل تناول أنواع التحكيم المختلفة، يجدر توضيح طبيعة التحكيم الحر ومميزاته، إذ يمثل هذا النوع من التحكيم من أقدم صور التحكيم المعتمدة.

التحكيم الحر هو التحكيم الذي يقوم فيه الأطراف أنفسهم – وفقًا لما يخوله لهم القانون – باختيار المحكمين، وتحديد قواعد التحكيم وإجراءاته بعيدًا عن أي مركز دائم أو مؤسسة دائمة للتحكيم. وتستمد مميزات التحكيم الحر من الثقة التي يوليها الطرفان للمحكم الذي يتم اختياره، ومن الاتفاق على إجراءات تحكيم مناسبة للنزاع، واختيار القواعد الإجرائية والقانون الموضوعي الواجب التطبيق، وفي المكان الذي يحدده الأطراف بما لا يتعارض مع القواعد الآمرة أو النظام العام. [1]

وقد ظهر التحكيم الحر قبل ظهور التحكيم المؤسسي، حيث يمنح الأفراد حرية كبيرة في اختيار المحكمين الذين يضعون فيهم ثقتهم اعتمادًا على خبرتهم في حل النزاع، كما أن القواعد والإجراءات المتبعة في التحكيم الحر قد تكون أكثر مرونة وواقعية مقارنة بقواعد التحكيم المؤسسي الذي يعتمد على مؤسسة أو هيئة قد تفرض قواعد وإجراءات قد تتعارض مع توقعات الأفراد، مما قد يؤدي إلى إطالة زمن التحكيم نتيجة الحاجة لفهم هذه القواعد والتحضير للرد عليها [2] .

الإجراءات المتبعة في التحكيم الحر:

تبدأ إجراءات الخصومة بطلب التحكيم، وتستمر هذه الإجراءات حتى صدور حكم التحكيم الذي ينهي النزاع، ما لم تنتهِ الإجراءات قبل صدور الحكم، ويجب أن يكون اتفاق التحكيم مكتوبًا، ويُعد مكتوبًا إذا ورد في وثيقة موقعة من الأطراف، أو في شكل مراسلات ورقية أو إلكترونية، أو أي وسيلة اتصال مكتوبة يمكن الاحتفاظ بها كسجل للاتفاق، بحيث يضمن توثيق إرادة الأطراف والتزامهم بما تم الاتفاق عليه.

وبعد ذلك يقدم المدعي خلال الموعد المتفق عليه بين الطرفين أو الذي تحدده هيئة التحكيم، إلى المدعى عليه وإلى كل محكم لائحة مكتوبة تتضمن بياناته وعنوانه وبيانات المدعى عليه وعنوانه، وشرحًا للوقائع، وتحديدًا لمسائل النزاع وطلباته، وكل أمر آخر يتفق الطرفان على ذكره في اللائحة، مع الإشارة عند الحاجة إلى اسم المحكم الذي عينه الطالب المحتكم في حال كانت هيئة التحكيم تتألف من أكثر من شخص، وبيان عنوانه وطريقة التواصل معه لتسهيل الاتصال من قبل المحتكم ضده.

ويتحقق بدء إجراءات التحكيم بمجرد إشعار الطرف الآخر برغبة الطالب في حسم النزاع بالتحكيم، واتخاذ الإجراءات اللازمة لذلك، ومن ثم، وبعد تعيين المحكم أو المحكمين، يقدم طالب التحكيم طلباته مرفقة بنسخة من اتفاق التحكيم والعقد الأصلي سواء كان منفصلًا عن الاتفاق أو جزءًا منه، وأية مستندات أو وثائق تدعم ادعاءاته، ما يضمن أن المحكم يمتلك كافة المعلومات الضرورية للنظر في النزاع.

وفي المسائل التجارية يُلاحظ أن غالب التعاملات التجارية الدولية في التحكيم تعتمد على قواعد مشتقة من قواعد لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي (الأونسيترال)، والتي تحدد إجراءات التحكيم المخصص بدءًا بإرسال إخطار إلى المدعى عليه، وعند تسلمه يُعتبر التحكيم قد بدأ، ويجب في هذا الإخطار ذكر أسماء المحتكمين وعناوينهم، والإشارة إلى شرط التحكيم أو المشارطة، وتقديم نبذة عامة عن طبيعة النزاع، واسم المحكم الذي اختاره الطالب إذا كان الاتفاق ينص على تعيين ثلاثة محكمين.

وفي حال عدم وجود اتفاق مسبق، يحق للمدعي اقتراح اسم محكم منفرد، أو اقتراح مؤسسة تحكيمية تتولى مهمة التعيين، فإذا وافق الطرف الآخر على المحكم المقترح تشكلت هيئة التحكيم من محكم منفرد، أما في حال عدم الاتفاق على محكم منفرد خلال المدة المحددة، فتُشكَّل هيئة التحكيم من ثلاثة محكمين، بحيث يعيّن كل طرف محكمًا واحدًا، ثم يتفق المحكمان اللذان تم تعيينهما على اختيار المحكم الثالث الذي يتولى رئاسة هيئة التحكيم، بما يضمن استكمال تشكيل هيئة التحكيم بشكل يحقق توازنًا بين الأطراف ويضمن نزاهة الإجراءات وسرعتها، أما في حال امتناع المحتكم ضده عن الرد، أو اعتراضه على إجراءات التحكيم، فإنه يجوز للمحتكم أن يطلب من الجهة أو السلطة المعيِّنة تعيين المحكم في حال اتفق الطرفان على تطبيق تلك القواعد، أو أن يطلب من المحكمة المختصة بالنظر في النزاع تعيين المحكم[3].

وبعد اكتمال عدد المحكمين فإن أول ما يترتب عليهم هو دراسة القضية، وتنظيم ملف لها، والذي يجب أن يتضمن معلومات كافية عن القضية المعروضة على المحكمين، ومن ضمنها أسماء، وعناوين أطراف النزاع، وموضوع النزاع، ونسخ عن العقد الأصلي، واتفاق التحكيم، وأية معلومات أخرى[4].

ويُظهر هذا التفصيل دقة الإجراءات المتبعة في التحكيم الخاص وأهمية كل خطوة في ضمان عدالة النزاع وفاعلية الفصل فيه، إذ أن تحديد الإخطار، وتعيين المحكمين، وتنظيم الملفات والمستندات، كلها عناصر تهدف إلى تمكين هيئة التحكيم من الاطلاع الكامل على الوقائع والمستندات، مما يسهل اتخاذ قرارات دقيقة وموضوعية، ويعكس الحرص على التوازن بين الأطراف وسرعة الفصل في النزاع، وهو ما يجعل التحكيم وسيلة فعّالة وموثوقة لتسوية المنازعات، خاصة في المسائل التجارية الدولية.

مميزات التحكيم الحر:-

يُعد التحكيم الحر أحد أهم وسائل تسوية النزاعات خارج نطاق القضاء، ويتميز بالمرونة والقدرة على تحديد الإجراءات وفق رغبة الأطراف، ما يجعله خيارًا مناسبًا خاصة للقضايا الصغيرة والأطراف ذات الموارد المحدودة. ومع ذلك، فإن هذه المرونة تأتي مع تحديات معينة، أبرزها اعتماد نجاح التحكيم على تعاون الأطراف وقدرة المحكم على إدارة الإجراءات بكفاءة، ومن أهم مزايا التحكيم الحر[5]: –

1.    الفعالية من حيث التكلفة: التحكيم الحر المصمم بشكل صحيح يكون أكثر اقتصادية، مما يجعله مناسبًا للقضايا الصغيرة والأطراف ذات الموارد المحدودة.

2.    المرونة: يتيح للأطراف تحديد إجراءات حل النزاع بأنفسهم حسب رغبتهم.

3.    تجنب رسوم المؤسسات: لا يتعين على الأطراف دفع رسوم مؤسسة التحكيم، بل فقط رسوم المحكمين والمحامين وتكاليف الإجراءات.

4.    القدرة على تسريع الإجراءات: إذا تم الاتفاق على قواعد تحكيم محددة مسبقًا مثل قواعد الأونسيترال (UNCITRAL)، يمكن بدء الإجراءات بسرعة دون الحاجة للتفاوض على القواعد.

5.    إمكانية تقليل التكاليف الإضافية: يمكن الاتفاق على إجراء التحكيم في مكتب المحكم لتقليل التكاليف.

6.    التفاوض المباشر على أتعاب المحكمين: يمكن للأطراف والمحكمين التفاوض مباشرة على الأتعاب، مما قد يؤدي إلى تخفيض التكاليف.

عيوب التحكيم الحر:-

ورغم ما يتمتع به التحكيم الحر من مزايا متعددة، إلا أنه لا يخلو من بعض العيوب التي قد تحد من فعاليته وتعرقل سير إجراءاته:

1.    عبء تنظيم وإدارة التحكيم على المحكم: يتحمل المحكم مسؤولية كبيرة في تنظيم وإدارة الإجراءات.

2.    اعتماد الفعالية على تعاون الأطراف: إذا لم يتعاون أحد الأطراف أو كلاهما، قد يؤدي ذلك إلى تأخيرات أو اللجوء للقضاء.

3.    صعوبة الاتفاق على القواعد بعد نشوء النزاع: عندما يحدث النزاع، قد يصعب على الأطراف الاتفاق على إجراءات التحكيم.

4.    الاحتمالية العالية لسوء الفهم بين الأطراف من جنسيات أو ولايات قضائية مختلفة: مما قد يؤدي إلى تأخير الإجراءات.

5.    عدم اليقين بشأن شمولية القواعد المتفق عليها: حتى بعد التفاوض، قد لا تغطي القواعد جميع الحالات المحتملة.

6.    مخاطر إدخال قواعد مؤسسية عن غير قصد: عند تبني قواعد مؤسسات تحكيمية في التحكيم الحر، قد ينشأ غموض أو لبس، أو يتم إنشاء عملية مؤسسية دون قصد.

وبالتالي فإن التحكيم الحر يمثل وسيلة فعّالة ومرنة لتسوية النزاعات، تمنح الأطراف حرية واسعة في تنظيم إجراءاتهم بما يتناسب مع طبيعة خلافهم وإمكاناتهم، غير أن هذه الحرية تتطلب قدرًا عاليًا من التعاون والخبرة لضمان سير العملية التحكيمية بسلاسة ودون تعقيدات، لذلك فإن اختيار التحكيم الحر ينبغي أن يتم بعد دراسة دقيقة لظروف النزاع وطبيعة الأطراف، لضمان تحقيق التوازن بين الكفاءة والعدالة في تسوية النزاع.

التحكيم المؤسسي:

يُعد التحكيم المؤسسي من أكثر أنواع التحكيم انتشارًا في مجال تسوية المنازعات، إذ يتم من خلال مراكز أو هيئات تحكيمية متخصصة تتولى تنظيم الإجراءات والإشراف على سير العملية التحكيمية وفقًا لقواعد محددة مسبقًا. ويوفر هذا النوع من التحكيم قدرًا كبيرًا من التنظيم والموثوقية، حيث تستفيد الأطراف من خبرة المؤسسة في إدارة القضايا وضمان سير الإجراءات بعدالة وكفاءة، مما يجعله خيارًا مفضلًا في النزاعات التجارية المعقدة والدولية.

ففي التحكيم المؤسسي: يتفق الأطراف على أن يتم التحكيم بواسطة مركز دائم للتحكيم، أو مؤسسة تحكيم دائمة سواء كانت وطنية، أو دولية، فيتم التحكيم وفقًا لنظام هذا المركز، وإجراءاته، وقد يقوم المركز أيضًا بتعيين المحكمين، أو أحدهم حسب اتفاق الطرفين، أو يقوم بمراجعة حكم التحكيم حسب ما تنص عليه لائحته.[6]

ومن أمثلة منظمات ومراكز التحكيم الدولية: المركز الدولي لتسوية المنازعات الناشئة عن الاستثمار بواشنطن، والمركز الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي بالقاهرة، ومحكمة لندن للتحكيم الدولي، ومركز التحكيم التجاري لدول مجلس التعاون الخليجي، وجمعية اليابان للتحكيم التجاري[7]

وإلى جانب هذه المراكز الدولية العامة هناك مراكز دولية متخصصة في نوع معين من المنازعات وأهمها المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار في واشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو مركز يتبع البنك الدولي وقد تم إنشاؤه باتفاقية أُبرمت في 18 مارس 1965، ويختص فقط بالمنازعات المتعلقة بالاستثمار، والتي تقوم بين إحدى الدول الموقعة على الاتفاقية، ورعايا دولة أخرى موقعة عليها[8]، ولكل مركز من هذه المراكز لائحة تحكيم تتضمن القواعد الإجرائية التي يجب اتباعها في التحكيم الذي يتم بالمركز.[9]

ويلاحظ أن معظم مراكز التحكيم لا تنظر إلى جنسية الأطراف، أو إلى مركز إدارة الشخص الاعتباري الطرف، بل إن بعضها رغم أنها تحمل في اسمها ما يدل على أنها خاصة بالتحكيم التجاري الدولي، فتمارس نشاطها أيضًا بالنسبة للتحكيمات الوطنية، على أن هناك مراكز تحكيم دولية أو وطنية لا تمارس إلا التحكيم الدولي.[10]

وبالتالي فالتحكيم المؤسسي يتمتع بدرجة عالية من التنظيم والانضباط الإجرائي بفضل اللوائح والقواعد المعتمدة في المراكز التحكيمية، وهو ما يمنح الأطراف الثقة والطمأنينة في سير العملية التحكيمية، كما أن وجود مؤسسات متخصصة ذات خبرة واسعة يضمن معالجة النزاعات بطريقة احترافية تراعي المعايير الدولية، الأمر الذي ساهم في ازدياد الاعتماد على التحكيم المؤسسي، خاصة في القضايا التجارية والاستثمارية ذات الطابع الدولي، لما يوفره من شفافية، وعدالة، وسرعة في الفصل مقارنة بالإجراءات القضائية التقليدية.

إجراءات التحكيم المؤسسي:

إجراءات التحكيم في التحكيم المنظم المؤسسي هي أكثر وضوحًا وتحديدًا من إجراءات التحكيم الخاص، ذلك لأن أطراف النزاع في الخصومة التحكيمية عند اختيارهم لإحدى المؤسسات التحكيمية المحلية، أو الدولية التي يتم عن طريقها إجراء التحكيم، يكون اختيارهم ضمنًا للقواعد التحكيمية وإجراءاتها الخاصة بتلك المؤسسة، أو المتبعة من قبلها، ومثال ذلك أن يتفق أطراف دوليون على أن يكون التحكيم بواسطة محكمة تحكيم تابعة لإحدى الغرف التجارية الدولية، وهو ما يعني إقرارهم ضمنًا، وحال نشوء النزاع، بأن التحكيم سيجري ضمن قواعد تلك الغرفة.

وقد بينت هذه المؤسسات الإجراءات، والقواعد الخاصة بها من حيث طلب التحكيم، وإبلاغ المدعى عليه، وتسليم ملف القضية إلى المحكم، ومكان التحكيم، والقانون الواجب التطبيق على موضوع النزاع، واللغة التي يجري بها التحكيم، ويستطيع أطراف النزاع تبني قواعد إحدى مؤسسات التحكيم، أو بعضها حسب الحالة، وأن يمزجوا بين قواعد إحدى المؤسسات وقواعد مؤسسة أخرى دون أن يكون التحكيم مؤسسيًا، وفي هذه الحالة يكون التحكيم حرًا[11].

يتضح مما سبق أن التحكيم المؤسسي يتميز بوضوح إجراءاته وتنظيمها بما يضمن انضباط العملية التحكيمية وسرعة حسم النزاع، الأمر الذي يعزز ثقة الأطراف في العدالة والشفافية، غير أن التقيّد بلوائح المؤسسات التحكيمية قد يُحدّ من مرونة الأطراف في إدارة التحكيم مقارنة بالتحكيم الحر، مما يجعل اختيار نوع التحكيم قرارًا استراتيجيًا يجب أن يُبنى على طبيعة النزاع ومصلحة الأطراف.

مميزات التحكيم المؤسسي:-

وقد ازداد الالتجاء في السنوات الأخيرة إلى التحكيم المؤسسي لما يقدمه مركز التحكيم من مكان مناسب للتحكيم، ومن تسهيلات إدارية وفنية، ولما يوفره من ثقة مستمدة من أهمية المركز وتاريخه، مما يشعر الأطراف بالاطمئنان إلى ما يتم من إجراءات التحكيم، وما يصدر تحت مظلة المركز من أحكام[12]

عيوب التحكيم المؤسسي:-

ولكن يعيب التحكيم المؤسسي ما قد يقتضيه مركز التحكيم من مصروفات ورسوم تكون أحيانًا مبالغًا فيها، فضلًا عن أن الأطراف قد يتفقون على الالتجاء إلى مركز تحكيم معين دون معرفة مسبقة بنظام المركز، أو إجراءاته، وهو ما قد يثير الشك في الأساس الإداري لهذا التحكيم[13].

يُظهر ما سبق أن التحكيم المؤسسي يُعد خيارًا مفضلًا لما يقدمه من ضمانات تنظيمية وإدارية تسهم في تحقيق العدالة وسرعة الفصل في المنازعات، إلا أن ارتفاع التكاليف وتعقيد بعض الإجراءات قد يشكلان عائقًا أمام الأطراف، خاصة في النزاعات الصغيرة أو بين أطراف محدودة الموارد. ومن ثمّ، فإن المفاضلة بين التحكيم المؤسسي والحر يجب أن تقوم على موازنة دقيقة بين الكلفة والموثوقية بما يحقق مصلحة الأطراف وعدالة الإجراءات.

التحكيم الحر، والتحكيم المؤسسي في ظل نظام التحكيم السعودي الساري:

يوازن نظام التحكيم السعودي الساري، الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/34 وتاريخ 24/5/1433هـ، بين التنظيم الإجرائي والمرونة التي تتيحها إرادة الأطراف، بما يتوافق في بعض جوانبه مع التوجهات المتبعة في القواعد المؤسسية الدولية، كتلك المطبقة في محكمة التحكيم بغرفة التجارة الدولية بباريس (ICC) ومحكمة لندن للتحكيم الدولي (LCIA).

فقد نظمت المادة (6) من النظام أحكام التبليغات بين طرفي التحكيم، بحيث يتم تسليم الإبلاغ للمرسل إليه شخصيًا أو من ينوب عنه، أو وفق الوسائل المحددة في النظام عند تعذر التسليم المباشر، بما يضمن وصول الإجراءات إلى علم الأطراف.

كما نظمت المادة (33) جلسات المرافعة، التي تُمكّن كل طرف من شرح موضوع دعواه وعرض حججه وأدلته أمام هيئة التحكيم.

وتبرز السمة التنظيمية أيضًا في تنظيم النظام لأثر طلب رد المحكم على سير الإجراءات، إذ نصت المادة (18) على الأحكام المتعلقة بطلب رد المحكم وإجراءاته، بما يضمن الفصل في مدى توافر أسباب الرد مع مراعاة استمرار العملية التحكيمية وفقًا لما يحدده النظام.

وفي المادة (16)، شدد النظام على ضرورة ألا يكون للمحكم مصلحة في النزاع، وأوجب عليه منذ تعيينه وطوال إجراءات التحكيم أن يفصح كتابةً عن أي ظروف من شأنها إثارة الشك حول استقلاله أو حياده. ويتوافق ذلك من حيث المبدأ مع الاتجاه الدولي نحو تعزيز استقلال المحكم وحياده والإفصاح عن الظروف التي قد تؤثر فيهما، وهو ما تناولته إرشادات نقابة المحامين الدولية بشأن تعارض المصالح في التحكيم الدولي (IBA Guidelines on Conflicts of Interest in International Arbitration)، التي تضع معايير للإفصاح والاستقلال والحياد عند اختيار المحكم وتعيينه واستمرار دوره في التحكيم. وقد اعتمدت IBA النسخة المحدثة من هذه الإرشادات في مايو 2024.

وفي المقابل، يعكس النظام جانبًا من روح التحكيم الحر من خلال تعزيز استقلال الإرادة والمرونة في الإجراءات، إذ نصت المادة (25) على أن لطرفي التحكيم الاتفاق على الإجراءات التي تتبعها هيئة التحكيم، بما في ذلك حقهما في إخضاع هذه الإجراءات للقواعد النافذة في أي منظمة أو هيئة أو مركز تحكيم داخل المملكة أو خارجها، فإذا لم يوجد اتفاق كان لهيئة التحكيم أن تختار من الإجراءات ما تراه مناسبًا، مع مراعاة أحكام النظام والشريعة الإسلامية.

ويتقاطع هذا التنظيم مع ما تقرره القواعد المؤسسية الدولية من منح هيئة التحكيم دورًا في إدارة الإجراءات وتنظيمها، مع مراعاة اتفاق الأطراف. فعلى سبيل المثال، تنص قواعد ICC على أن هيئة التحكيم والأطراف يبذلون كل جهد لإدارة التحكيم بطريقة سريعة وفعالة من حيث التكلفة، كما تمنح الهيئة، بعد التشاور مع الأطراف، سلطة اتخاذ التدابير الإجرائية التي تراها مناسبة لإدارة القضية، بشرط عدم مخالفتها لاتفاق الأطراف.

كما أن قواعد ICC تتضمن تنظيمًا مؤسسيًا لمسألة استبدال المحكم، حيث تنظم المادة (15) حالات استبداله، ومنها الوفاة أو قبول استقالته أو قبول طلب رده، كما تجيز للمحكمة اتخاذ قرار الاستبدال من تلقاء نفسها في حالات معينة، مع تنظيم أثر إعادة تشكيل هيئة التحكيم على الإجراءات السابقة.

وألزمت المادة (40) هيئة التحكيم بإصدار الحكم المنهي للخصومة خلال الميعاد الذي اتفق عليه طرفا التحكيم، فإن لم يوجد اتفاق وجب صدور الحكم خلال اثني عشر شهرًا من تاريخ بدء إجراءات التحكيم، مع جواز تمديد مدة التحكيم وفقًا لما حدده النظام.

أما المادة (42)، فقد أوجبت أن يكون حكم التحكيم مكتوبًا ومسببًا وموقعًا من المحكمين، ومن ثم فلا يصح القول بأن النظام أجاز للأطراف الاتفاق على أن يكون حكم التحكيم غير مُسبَّب.

وأخيرًا، نظمت المادتان (46) و(48) حق طرفي التحكيم في طلب تفسير ما قد يكون غامضًا في منطوق الحكم، أو إصدار حكم إضافي فيما أُغفل الفصل فيه من طلبات، وفقًا للشروط والمواعيد المحددة نظامًا لذلك، وهو ما يعكس تنظيم النظام لما قد يطرأ على الحكم بعد صدوره، ويؤكد أهمية إرادة الأطراف في تنظيم خصومتهم التحكيمية في الحدود التي رسمها النظام.

الخاتمة:-

يتضح مما سبق أن التحكيم، سواء كان حرًا أم مؤسسيًا، يمثل وسيلة لتسوية المنازعات بعيدًا عن القضاء التقليدي. فالتحكيم الحر يمنح الأطراف مرونة واستقلالية في اختيار الإجراءات والمحكمين، بينما يوفر التحكيم المؤسسي قدرًا أكبر من التنظيم والضمانات الإدارية من خلال القواعد والإجراءات التي تضعها المؤسسات التحكيمية. ويُظهر نظام التحكيم السعودي مرونة واضحة في تنظيم إجراءات التحكيم، من خلال إتاحة المجال للأطراف للاتفاق على الإجراءات التي تتبعها هيئة التحكيم، بما في ذلك إخضاعها للقواعد النافذة في أي منظمة أو هيئة أو مركز تحكيم داخل المملكة أو خارجها، مع منح هيئة التحكيم سلطة اختيار الإجراءات المناسبة عند عدم وجود اتفاق بين الأطراف، وذلك في حدود أحكام النظام والشريعة الإسلامية. ويعكس ذلك حرص النظام على تحقيق التوازن بين المرونة الإجرائية والتنظيم القانوني لإجراءات التحكيم.

المراجع

[1]  فتحي والي ، التحكيم بين النظرية والتطبيق ، ط1، سنة 2007، ص 38.

[2] بحث صادر من جامعة باجي مختار،  عنابة، الدكتور مراد سيساوي، سنة 2023، ، صـ 31.

[3]   بحث بعنوان إجراءات التحكيم، للباحث تامر محمد خير، جامعة الشرق الأوسط، لسنة 2019، ص 22 – 26 .

[4] قواعد الأونسيترال النموذجي للتحكيم التجاري الدولي، 1985

[5]  Institutional vs. ‘ad hoc’ arbitration – Out-Law Guide ، . (pinsent masons, 12 August 2011 ) < https://www.pinsentmasons.com/out-law/guides/institutional-vs-ad-hoc-arbitration >

[6] فتحي والي ، مرجع سابق ، ص 38

[7]Survey international A.A.A New York 1999.

[8] د. نادر محمد ابراهيم – مجلة التحكيم العربي – العدد الرابع ص ٦٤.

[9] دكتور والي ، مرجع سابق صـ 40.

[10] دكتور فتحي والي، مرجع سابق ، صـ 40.

[11] د. حداد حمزة أحمد، 2014 التحكيم في القوانين العربية دراسة مقارنة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان – الأردن صـ 140.

[12] مزايا التحكيم المؤسسي وعيوب التحكيم الحر، د. محمد ابو العينين، مجلة التحكيم عربي – العدد الخامس – ص ١٤، ١٥

[13]  دكتور فتحي والي ،ى مرجع سابق، صـ 41،

No comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *