يُعد التحكيم من أبرز وسائل تسوية المنازعات لما يتميز به من المرونة والسرعة والسرية، ويُعد حكم التحكيم من أهم مراحل هذه العملية، إذ يختتم به النزاع ويكتسب قوة ملزمة للأطراف. ولكي يكون الحكم صحيحًا، يجب أن يصدر وفقًا للشكل القانوني المحدد وأن يتضمن البيانات الأساسية وأن يكون مسببًا تسبيبًا كافيًا يوضح الأسس التي بُني عليها القرار. كما يتمتع الحكم بحجية تمنع إعادة نظر النزاع، مع بقاء إمكانية طلب إبطاله في حالات معينة، وتبرز أيضًا أهمية تنفيذ حكم التحكيم سواء داخل الدولة أو خارجها وفقًا لاتفاقية نيويورك لعام 1958، مع ما قد يواجهه من عقبات عملية أثناء التنفيذ، الأمر الذي يجعل دراسة حكم التحكيم وآثاره خطوة أساسية لفهم فعالية هذا النظام في تسوية المنازعات.
1- حكم التحكيم بين المرونة الإجرائية والالتزام بالضمانات الأساسية
1.1 مبدأ المداولة وأهمية صدور الحكم بالأغلبية:-
يُعد حكم التحكيم المرحلة الختامية والأهم في إجراءات التحكيم، إذ تُختتم به الخصومة ويُفصل في النزاع نهائيًا، ومن المبادئ والضمانات الأساسية التي تضمن تحقيق التوازن داخل الهيئة وتضمن صدور حكم التحكيم بشفافية هو صدور حكم التحكيم بأغلبية آراء هيئة التحكيم، ويتم ذلك بعد مداولة سرية بين المحكمين قبل إصدار الحكم، ويقصد بالمداولة في هذا السياق أن يتبادل المحكمون الرأي فيما بينهم بالنسبة للوقائع والقواعد واجبة التطبيق، والقرار الذي ينتهي إليه كل منهم بالنسبة لتطبيق القانون على تلك الوقائع، والنتيجة التي يخلصون إليها حسمًا للنزاع [1].
ويجب ألا يشترك في هذه المداولة أشخاص غير المحكمين الذين أنيط بهم التحكيم [2]، ولا يلتزم المحكمون عند المداولة بما ينص عليه قانون المرافعات من قواعد في هذا الشأن، مما يمنحهم مرونة في التواصل، ولهذا يمكن أن تتم المداولة بين أعضاء الهيئة بواسطة التليفون أو الفاكس أو البريد الإلكتروني أو البريد العادي دون اجتماعهم في مكان واحد، كما يمكن أن تتم شفويًا أو كتابةً عند اجتماعهم، فإذا لم تتم المداولة قبل إصدار الحكم، فإن الحكم يكون باطلًا لمخالفته للقواعد الأساسية في إصدار الأحكام.
أما إذا تشعبت آراء هيئة التحكيم ولم تتحقق الأغلبية، فلهيئة التحكيم أن تختار محكمًا مرجحًا خلال مدة محددة من تاريخ قرارها بعدم إمكان حصول الأغلبية، فإن لم تفعل، تولت المحكمة المختصة تعيينه، وينحصر نظر المحكم المرجح -بحسب ما استقر عليه الفقه- في الجزئية التي تشعبت فيها الآراء دون سائر أجزاء.
1.2 الشكل الإجرائي لحكم التحكيم ومتطلبات صحته: –
ويتميز حكم التحكيم بأن له تنظيم خاص يختلف عن تنظيم إصدار أحكام المحاكم، فعلى سبيل المثال: لا يشترط النطق بالحكم إلا إذا نص الأطراف على ذلك في اتفاق التحكيم، أو في اتفاق لاحق يقبله المحكم [4]، بالإضافة إلى أنه لا يلزم كتابة مسودة لحكم التحكيم [5].
وجرى العرف العملي والفقهي على أن يُبتدأ حكم التحكيم بكتابة الوقائع، ثم تُدون الأسباب، وينتهي بمنطوق القرار، وذلك تحقيقًا لما تشترطه الأنظمة عادة من اشتمال الحكم على بيانات أساسية كملخص الوقائع وأسباب الحكم ومنطوقه، وأخيرًا يوقع عليه المحكمون بعد أن يوضع له تاريخ [6]، ويُعلل اشتراط اشتمال الحكم على الوقائع والأسباب والمنطوق بما لحكم التحكيم من خطورة وأهمية لا تقل عن الأحكام الصادرة من المحاكم، إذ إن الغاية منه تحقيق العدالة وإنهاء النزاع بحكم مُسبب وواضح [7]، ومن ثم يشترط أن يكون حكم التحكيم مكتوبًا، حيث أنه لا يُعترف بحكم التحكيم الشفوي فمثل هذا الحكم يكون منعدم، ويكتب الحكم باللغة التي جرى بها التحكيم سواء كانت اللغة العربية أو أية لغة أخرى حددها اتفاق الطرفين أو قرار هيئة التحكيم [8].
1.3 تسبيب حكم التحكيم وبياناته الأساسية كضمانة للشفافية: –
ويقصد بأسباب الحكم حيثياته وأسانيده التي قام عليها سواء أكان ذلك من حيث الواقع أو من حيث القانون[9]، ومن ثم فيشترط أن يكون حكم التحكيم مسببًا أي أن هيئة التحكيم ملزمة بذكر الأسباب التى حملتها علي قبول إدعاءات الخصوم أو ردها وما قدموه من دفوع، ويجب أن تكون هذه الأسباب ناتجة عن تمحيص وعناية وتقليب لموضوع النزاع من كافة الوجوه، ولم يكن مبعثه عاطفة عارضة أو شعورًا وقتيًا، وإنما كان مبنيًا على علل وأسباب سائغة ومقنعة إلى النتيجة التى توصلوا إليها، مما يرفع عنهم شبهة التحيز وعدم التحوط واللامبالاة فتخرج أحكامهم مطمئنة للطرفين ومكتسبة احترام الجميع [10] .
أما بالنسبة لبيانات حكم التحكيم، فإنه لا يتضمن جميع البيانات التي ينص عليها القانون بالنسبة لأحكام المحاكم، وإنما نص على بيانات معينة تكفى لكي يحقق حكم التحكيم وظيفته، ومن البيانات الأساسية أسماء الخصوم وعناوينهم، وأسماء المحكمين وعناوينهم وجنسياتهم وصفاتهم، وصورة من اتفاق التحكيم وكذلك ملخص لطلبات الخصوم واقوالهم ومستنداتهم، ومنطوق الحكم وتاريخ اصداره، ومكان إصدار الحكم، وأسباب الحكم باعتبار التسبيب شرطًا لازمًا لصحته، وتوقيع المحكمين على الحكم [11].
1.4 حجية حكم التحكيم وأثرها القانوني: –
وبمجرد صدور حكم التحكيم فإنه يكتسب حجية الأمر المقضي، فيُعتبر حاسمًا للنزاع بين أطرافه شأنه شأن الأحكام القضائية، حتى صدور الأمر بتنفيذه، وإن كان قابلًا لدعوى البطلان في الأحوال المحددة نظامًا لا للطعن فيه بالطرق المعتادة كالاستئناف أو النقض، وتبقى هذه الحجية ملازمة للحكم إلى أن يلغى أو يبطل[12]، وهذه الحجية تتعلق بالنظام العام من حيث وجوب مراعاتها من الجهة القضائية المختصة تلقائيًا وعدم جواز الاحتجاج بها على غير أطرافها، شأنها شأن الحكم الصادر من محاكم الدولة [13].
ولكن بالرغم من تعلق حجية حكم التحكيم بالنظام العام على هذا النحو، فإنه يجوز للطرفين أنفسهما – باعتبارهما صاحبي المصلحة فيها – الاتفاق فيما بينهما على الالتجاء إلى القضاء أو الى التحكيم مرة أخرى بالنسبة لما قضى فيه حكم التحكيم السابق، طالما تم برضا الطرفين، ولا يحول دونه سبق صدور حكم تحكيم يحوز الحجية بالنسبة لنفس النزاع، وتجدر الإشارة إلى أن حجية حكم التحكيم تقتصر على أطراف الخصومة دون غيرهم، فلا يُحتج به على من لم يكن طرفًا في الإجراءات التي صدر فيها، فلا يحتج به على من لم يكن طرفا في الخصومة التي صدر فيها، ولو كان طرفا في اتفاق التحكيم [14]، ويجب التمييز بين اكتساب حكم التحكيم لحجية الأمر المقضي ليكون واجب النفاذ وفقًا للنظام منذ صدوره وبين اكتسابه القوة التنفيذية، فالحكم لا يُعتبر سندًا تنفيذيًا ولا يمكن تنفيذه إلا بعد صدور أمر بتنفيذه من الجهة القضائية المختصة [15] .
1.5 أحكام إصدار حكم التحكيم وحجيته في مشروع نظام التحكيم السعودي الجديد
وفى النظام السعودي لا يختلف الأمر عن هذه المبادئ الأساسية التى أقرها المشرع في تشريعات أغلب الدول العربية، حيث نظمت المادة (48) من مشروع نظام التحكيم السعودي الجديد (مقابل المادة 39 من النظام الساري) – وفقًا لما تم تداوله من نص المشروع المطروح عبر منصة “استطلاع” – آلية إصدار حكم التحكيم والإجراءات الداخلية داخل هيئة التحكيم، حيث نصت على أن رئيس الهيئة يصدر الحكم في حال تعذر صدوره بالأغلبية، مع وجوب إرفاق الآراء المخالفة، كما ألغت فكرة “المحكم المرجح” التي كانت مقررة في النظام السابق.
أما المداولة بين أعضاء الهيئة فلم يرد بشأنها نص صريح في المشروع، بينما نظمها نظام التحكيم الحالي رقم (م/34) بتاريخ 24/5/1433هـ في مادته (28)، التي منحت هيئة التحكيم سلطة الاجتماع في أي مكان تراه مناسبًا للمداولة بين أعضائها، ولسماع أقوال الشهود أو الخبراء أو طرفي النزاع، أو لمعاينة محل النزاع أو فحص المستندات والاطلاع عليها، بما يحقق مرونة إجرائية تضمن سير العملية التحكيمية بسلاسة وفعالية.
أما بالنسبة لشكل الحكم فقد تناولت المادة (52) من مشروع نظام التحكيم – بحسب ما هو متداول عن نص المشروع – تنظيم شكل حكم التحكيم ومحتواه بشكل مفصل، حيث ألزمت بأن يكون الحكم مكتوبًا وموقعًا من المحكم أو المحكمين، مع جواز استخدام التوقيع الإلكتروني، كما أوجبت تضمين الحكم بيانات جوهرية، من بينها أسماء الأطراف وعناوينهم، وأسماء المحكمين وتوقيعاتهم، ونص اتفاق التحكيم مرفقًا بالحكم بدلًا من مجرد ملخصه كما كان معمولًا به في النظام السابق، إلى جانب وقائع الدعوى وأسباب الحكم ومنطوقه، مع تحديد تاريخ ومكان صدور الحكم. وأكدت المادة أن الحكم يُعتبر صادرًا من مكان التحكيم ولو وُقّع في أماكن مختلفة.
ومن المثير للاهتمام أن المشروع الجديد أبقى على مبدأ التسبيب كقاعدة عامة، ولكنه منح حرية أكبر للأطراف في الاتفاق على إعفاء الهيئة من التسبيب، وهو تطور يوازن بين الكفاءة الإجرائية وحرية الإرادة التعاقدية.
أما بالنسبة لمبدأ حجية حكم التحكيم فقد أكدت المادة (63) من مشروع نظام التحكيم، المقابلة للمادة (52) من النظام الساري، على مبدأ حجية حكم التحكيم وآثاره القانونية بشكل واضح، إذ نصت على أن “يكون لحكم التحكيم الصادر وفقًا لهذا النظام حجية الأمر المقضي به، ويُنفذ وفق أحكامه، سواء صدر داخل المملكة أو خارجها”، ويُعد هذا النص خطوة متقدمة في تعزيز الاعتراف الدولي بأحكام التحكيم، حيث استحدث المشروع إضافة جوهرية تمثلت في عبارة “بغض النظر عن البلد الذي صدر فيه الحكم”، وهي صياغة لم تكن واردة في النظام السابق، ما يعكس توجهًا تشريعيًا نحو توسيع نطاق تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية وتأكيد التزام المملكة بدعم بيئة التحكيم الدولية.
تجسد هذه القواعد – في مجملها، وبانتظار صدور النص النهائي للمشروع وإقراره رسميًا – حرص المشرع على تحقيق التوازن بين استقلال التحكيم وضرورة احترام مبادئ العدالة، فإلزام المحكمين بالمداولة، وتسبيب الأحكام، وبيان بياناتها الجوهرية، وضبط أثرها القانوني بالحجية دون التنفيذ الفوري، جميعها عناصر تضمن أن يكون حكم التحكيم أداة فعالة لحسم النزاع في إطار من الشفافية والمصداقية القانونية.
2- دعوى بطلان حكم التحكيم بين الحصانة الإجرائية والرقابة القضائية في الأنظمة العربية
2.1 دعوى بطلان حكم التحكيم في التشريعات العربية: الطبيعة القانونية وأسباب الإبطال
من المقرر في قانون التحكيم المصري والسعودي والإماراتي بل ومعظم قوانين الدول العربية عدم جواز الطعن في حكم التحكيم بأي طريق من طرق الطعن، ولذلك جعل المشرع دعوى البطلان هي الوسيلة الوحيدة المقررة قانونًا للطعن في حكم التحكيم،[1] ودعوى بطلان حكم التحكيم هي دعوى مبتدئة يهاجم بها الحكم لأسباب محددة، منها استبعاد القانون الموضوعي موضوع الدراسة بهدف الحصول على حكم تقريري إيجابي أو سلبي ببطلان وعدم بطلان الحكم المرفوع به الدعوى، وتقتصر سلطة المحكمة في هذه الدعوى على ذلك، وتقف عند هذا الحد، فهذه الدعوى ليست طريقًا من طرق الطعن في الأحكام [16].
وعليه فإن دعوى بطلان حكم التحكيم ليست طريقًا من طرق الطعن في الأحكام، وإنما هي دعوى أصلية ترمي إلى إبطال حكم التحكيم أي إلى إلغائه لا إلى تصحيحه أو تعديله أو تكميله [17].
ودعوى البطلان لا تسري إلا على أحكام التحكيم بالمعنى الصحيح، ولكي يكون حكم التحكيم صحيحًا لابد من توافرعنصرين [18]:-
أولًا: أن تكون له صفة قطعية.
ثانيًا: أن يكون قرارًا ملزمًا.
ولكل صاحب مصلحة أن يرفع دعوى البطلان صراحةً التحكيم، وقد حصر المشرع في معظم القوانين العربية أسباب البطلان على سبيل الحصر لا المثال، ومن أهم أسباب رفع دعوي البطلان [19]: –
أ- خروج المحكمين عن نطاق الخصومة التحكيمية، وذلك بالفصل في مسائل لا يشملها اتفاق التحكيم.
ب- عدم مراعاة هيئة التحكيم للشروط الواجب توافرها في حكم التحكيم على نحو أثّر في مضمونه، ومن أمثلة ذلك: عدم إيداع صورة اتفاق التحكيم، عدم ذكر أسماء الخصوم والمحكمين، عدم ذكر أسباب الحكم، إغفال منطوق الحكم. عدم ذكر مكان التحكيم وتاريخه.
ويُفهم من ذلك أن المشرع لم يترك الباب مفتوحًا لإبطال أحكام التحكيم إلا في حالات استثنائية محددة حصرًا، تتعلق بمخالفة القواعد الأساسية للإجراءات أو بانعدام أحد العناصر الشكلية الجوهرية للحكم متى كان لهذا الانعدام أثر فعلي في مضمونه، وهو ما يحقق التوازن بين احترام إرادة الأطراف في اللجوء إلى التحكيم وضمان صدور الحكم وفق الأصول القانونية التي تكفل العدالة والشفافية.
2.2 تمييز دعوي البطلان عن غيرها من الطعون:-
بعض التشريعات فى البداية مثل القانون اللبناني والفرنسي والمصري كانت تعتبر حكم التحكيم هو حكم صادر من محكمة أول درجة، وبالتالي يجيز فسخ الحكم ويجيز إعادته للمحكمين لإعادة النظر ويجوز استئنافه وتمييزه، ولكن اتجهت أغلب التشريعات الحديثة إلى تعديل نظمها التحكيمية بما يعزز حصانة أحكام المحكمين من الطعون القضائية، وقد كان وراء ذلك عدة أسباب تتعلق بشكوى الخصوم من لجوئهم مرة أخرى لمحاكم الدولة ما ينفي هدفهم الأول ويزيد الجهد والنفقات [20].
وعليه فقد حظر قانون المرافعات المصري لعام 1968 إمكانية الطعن في حكم التحكيم استئنافاً حتى لو اتفق الخصوم على ذلك [2]، أما القانون الفرنسي فقد حصر إمكانية الاستئناف في التحكيم بالصلح باتفاق مسبق يحتفظ فيه الخصوم صراحة بهذا الحق، وألزم المحكمة التي تقضي بالبطلان بنظر القضية موضوعاً ما لم يتفق الأطراف على خلاف ذلك، وعلى ذات النهج قد سارت القوانين المغربية والتونسية والجزائرية، أما المشرع اللبناني فقد أباح الاستئناف في التحكيم العادي ما لم يتفق الأطراف على خلافه، مع عدم قابلية الحكم الصادر من محكم مفوض بالصلح للاستئناف إلا إذا احتفظ الأطراف صراحة بهذا الحق في اتفاقية التحكيم، وفي حال الاتفاق على عدم الاستئناف يمكن فقط الطعن بدعوى البطلان. [21]
وبذلك يتضح أن التطور التشريعي في الدول العربية والأوروبية قد اتجه نحو تعزيز نهائية أحكام التحكيم وضمان استقرارها، بما يحقق التوازن بين احترام إرادة الأطراف في حسم نزاعاتهم بعيدًا عن القضاء العادي، وبين الحفاظ على الحد الأدنى من الرقابة القضائية لضمان سلامة إجراءات التحكيم وعدالته.
2.3 تنظيم دعوى بطلان حكم التحكيم في النظام السعودي الجديد:-
حرص المشروع الجديد على تنظيم الإجراءات المتعلقة بدعوى بطلان حكم التحكيم بصورة أكثر دقة، من خلال تحديد المدد القانونية وآليات الطعن بما يضمن وضوح المسار الإجرائي واستقرار العملية التحكيمية، حيث نصت المادة (62) من مشروع نظام التحكيم – وفقًا لما هو متداول عن نص المشروع – المقابلة للمادة (51) من النظام الساري، على تحديد المدة الزمنية لرفع دعوى بطلان حكم التحكيم خلال ستين يومًا من تاريخ تبليغ الطرف بالحكم، مؤكدة أن التنازل عن هذا الحق قبل صدور الحكم لا يحول دون قبول الدعوى، وهو ما يتطابق مع نص المادة (51/1) من النظام الساري ذاته التي تنص على أنه “ترفع دعوى بطلان حكم التحكيم من أي من طرفيه خلال الستين يومًا التالية لتاريخ إبلاغ ذلك الطرف بالحكم، ولا يحول تنازل مدعي البطلان عن حقه في رفعها قبل صدور حكم التحكيم دون قبول الدعوى”.
ويُلاحظ أن المشروع جاء أكثر وضوحًا من النظام السابق – وفقًا لما هو متداول عن نصه أيضًا – إذ نص صراحة على أن الطعن في حكم المحكمة المختصة الصادر في دعوى البطلان يكون أمام المحكمة العليا خلال ثلاثين يومًا من تاريخ التبليغ، بينما اكتفت المادة (51) من النظام الساري بالإشارة إلى إمكانية الطعن دون تحديد الجهة القضائية المختصة ضمن متن المادة ذاتها، إذ تنص فقرتها الثانية على أنه “إذا حكمت المحكمة المختصة بتأييد حكم التحكيم وجب عليها أن تأمر بتنفيذه، ويكون حكمها في ذلك غير قابل للطعن بأي طريق من طرق الطعن، أما إذا حكمت ببطلان حكم التحكيم، فيكون حكمها قابلًا للطعن خلال ثلاثين يومًا من اليوم التالي للتبليغ” دون أن تسمي الجهة القضائية المختصة بنظر هذا الطعن، إذ ترك ذلك للائحة التنفيذية التي حددت أن يكون الطعن أمام المحكمة العليا، مما يُعد – إن صح ما تم تداوله عن المشروع – تطويرًا تشريعيًا مهمًا يسهم في تعزيز الوضوح الإجرائي وضمان سرعة حسم المنازعات التحكيمية بجمع هذا التفصيل ضمن متن النظام ذاته بدلًا من إحالته إلى لائحته التنفيذية.
وفي ضوء ما سبق، يتضح أن التشريعات العربية، ولا سيما النظام السعودي الجديد – في ضوء ما هو متداول عن مشروعه حتى إقراره رسميًا – تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين حماية أحكام التحكيم من الطعون غير المبررة وضمان الرقابة القضائية في الحدود التي تكفل العدالة الإجرائية. وهو ما يعكس تطورًا تشريعيًا يهدف إلى ترسيخ الثقة في التحكيم كوسيلة فعّالة ومستقلة لتسوية المنازعات، تدعم بيئة الاستثمار وتواكب المعايير الدولية الحديثة.
3- تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية
3.1 آلية تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية في ضوء اتفاقية نيويورك والتشريعات العربية
إذا صدر حكم التحكيم عن هيئة تحكيم في الدولة المطلوب تنفيذ الحكم فيها، فلا تثار عادة الإشكالات المتعلقة بالاعتراف بحكم أجنبي وتنفيذه، غير أن الإشكالية تظهر عندما يصدر حكم التحكيم في دولة أخرى ويراد تنفيذ مضمونه في دولة مختلفة، ففي هذه الحالة يتعين على الطرف المستفيد من الحكم اتباع الإجراءات والشروط المنصوص عليها في القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية المنظمة للاعتراف بأحكام التحكيم الأجنبية وتنفيذها.
ويقصد بأحكام التحكيم الأجنبية كما جاءت في المادة الأولى من اتفاقية نيويورك أنها «الأحكام الصادرة في إقليم دولة غير الدولة التي يطلب إليها الاعتراف وتنفيذ هذه الأحكام»، وقد نصت هذه الاتفاقية على أن يرفق الطرف الذي يطلب الاعتراف بحكم التحكيم الأجنبي وتنفيذه أصل الحكم مصدقًا عليه على النحو الواجب أو صورة مصدقة منه، وكذلك أصل الاتفاق المشار إليه في المادة الثانية أو صورة مصدقة منه. وإذا لم يكن الحكم أو الاتفاق محررًا باللغة الرسمية للدولة المطلوب فيها الاعتراف والتنفيذ، وجب تقديم ترجمة لهما إلى تلك اللغة، على أن تكون الترجمة معتمدة من موظف رسمي أو مترجم محلف أو ممثل دبلوماسي أو قنصلي.
وبالتالي فإن تنفيذ حكم التحكيم يمر بجانبين متكاملين: الإطار الدولي الذي تؤطره اتفاقية نيويورك (1958) ويجعل الاعتراف والتنفيذ بين الدول ممكنًا، والإطار الوطني الذي يترجمه كل بلد عبر تشريعاته وإجراءاته القضائية.
وبصفة عامة تبنت معظم الدول العربية أحكامًا تتوافق مع مبادئ اتفاقية نيويورك و/أو مع قانون الأونسيترال النموذجي، مع اختلافات إجرائية وممارسات قضائية تؤثر على سرعة وكفاءة التنفيذ، فعلى سبيل المثال، مصر حيث ينظم قانون التحكيم المصري (قانون رقم 27 لسنة 1994) أحكامًا حول قوة الحكم التحكيمي وحجيته وطرق تنفيذه محليًا، وقد انضمت مصر إلى اتفاقية نيويورك في 9 مارس 1959، بالإضافة إلى انطباق بعض مواد قانون المرافعات على أحكام المحكمين الأجانب [1]، ويظهر هذا مدى حرص المشرع المصري على التوفيق بين احترام أحكام التحكيم الأجنبية وبين حماية السيادة القضائية الوطنية وضمان الالتزام بالمعايير القانونية المحلية.
أما في السعودية، وبعد انضمامها إلى اتفاقية نيويورك، فلا ينفذ الحكم التحكيمي الأجنبي تلقائيًا، بل يجب استيفاء الشروط المنصوص عليها في نظام التنفيذ ولائحته التنفيذية. ومن أبرزها: أن يكون الحكم نهائيًا وفقًا لنظام المحكمة التي أصدرته، وألا يتعارض مع حكم أو أمر صدر في الموضوع نفسه من جهة قضائية مختصة في المملكة، وألا يتضمن ما يخالف أحكام النظام العام في المملكة، وأن يكون الخصوم قد كلفوا بالحضور ومُكّنوا من الدفاع عن أنفسهم، وأن تستوفى المستندات المطلوبة، ومنها أصل الحكم أو صورة طبق الأصل منه وشهادة بأن الحكم أصبح نهائيًا واجب التنفيذ، وترجمة الوثائق إلى اللغة العربية من مكتب ترجمة معتمد.
وبالتالي فإن تنفيذ أحكام التحكيم هو الركيزة الأساسية لفعالية هذه الوسيلة في تسوية النزاعات، إذ لا تكتمل فاعلية الحكم دون إمكانية تنفيذه، وتسعى الدول إلى تحقيق التوازن بين احترام التزاماتها الدولية وحماية نظامها العام، بما يعزز الثقة في التحكيم كوسيلة لحسم المنازعات داخليًا ودوليًا.
3.2 العقبات العملية في تنفيذ أحكام التحكيم:-
تعدّ عملية تنفيذ أحكام التحكيم مرحلة حاسمة تبرز فيها العديد من العقبات العملية، سواء كانت إجرائية أو قانونية، مما قد يعرقل سرعة التنفيذ وكفاءته، خاصة في حالة الأحكام الأجنبية التي تتأثر بعوامل تتعلق بالسيادة والنظام العام، ومن أبرز هذه العقبات:
أ- متطلبات الشكل والوثائق: حيث إن كثيرًا من المحاكم تطلب تقديم النسخ الأصلية أو الصور المصدقة من الاتفاق التحكيمي والحكم وترجماتهما المعتمدة، وإخفاق تقديم المستندات المطلوبة قد يؤدي إلى تعذر استكمال إجراءات التنفيذ أو رفض الطلب وفقًا للقانون المطبق في دولة التنفيذ.
ب- تعارض حكم التحكيم أو تنفيذه مع النظام العام أو الآداب في بلد التنفيذ، وهو أحد أسباب رفض الاعتراف بالحكم أو تنفيذه.
ت- عدم صحة اتفاق التحكيم أو عدم تمكين الخصم من عرض دفاعه، مما قد يؤدي إلى رفض الاعتراف بالحكم أو تنفيذه.
ث- تعقيدات بسبب تعدد القوانين المتداخلة بين بلد التحكيم وبلد التنفيذ، خاصة في القضايا المتعددة الجنسيات.
ج- معيار «النظام العام»: حيث إن اختلاف تفسير مفهوم النظام العام من دولة إلى أخرى قد يؤثر في الاعتراف بأحكام التحكيم وتنفيذها.
وبذلك يتضح أن الاعتراف وتنفيذ أحكام التحكيم، ولا سيما الأجنبية منها، يمثلان جانبًا أساسيًا في فعالية التحكيم كوسيلة لتسوية المنازعات، فبينما وضعت اتفاقية نيويورك إطارًا دوليًا يعزز الاعتراف بأحكام التحكيم وتنفيذها عبر الحدود، ظل التطبيق العملي مرتبطًا بالقوانين الوطنية وإجراءات المحاكم المحلية، وتبرز أهمية الموازنة بين احترام الالتزامات الدولية وحماية النظام العام للدولة.
الخاتمة
وفي ضوء ما تقدم، يتضح أن نظام التحكيم قد أصبح ركيزة أساسية في منظومة العدالة الحديثة، لما يوفره من مرونة وسرعة في تسوية المنازعات على المستويين المحلي والدولي، غير أن فعاليته الحقيقية لا تتحقق إلا بصدور حكم تحكيمي مستوفٍ لأركانه الشكلية والموضوعية، يتمتع بحجية تمنع إعادة نظر النزاع، ويخضع لرقابة قضائية محدودة عبر دعوى البطلان لضمان احترام الضمانات الإجرائية دون المساس باستقلال العملية التحكيمية، كما يُعد تنفيذ حكم التحكيم سواء داخل الدولة أو خارجها، المحكَّ العملي الذي تتجسد فيه قوة هذا النظام، إذ إن الاعتراف بالأحكام وتنفيذها وفقًا لاتفاقية نيويورك والتشريعات الوطنية يمثل الأساس في ترسيخ الثقة بالتحكيم كوسيلة فعالة وعادلة لحسم النزاعات، ومن ثم فإن تحقيق التوازن بين احترام التزامات الدول الدولية وحماية نظامها العام هو ما يضمن استقرار التحكيم واستمراره كأداة قانونية تدعم العدالة وتُسهم في تعزيز بيئة الاستثمار والتنمية القانونية في العالم العربي.
قائمة المراجع
[1] الدكتور فتحي والى، قانون التحكيم في النظرية والتطبيق، الطبعة الأولي 2007 ، ص 428
[2] ابو الوفا ، التحكيم الاختياري والاجباري ، ص .۲۹۲
[3] فتحي والي ، مرجع سابق ، ص 232
[4] الدكتور فتحي والى، مرجع سابق، ص 433
[5] فتحي والي ، مرجع سابق ، ص 433
[6] الوجيز في التحكيم شروط اقسامه اجراءاته أحكامه – بحث مقارن – ص 46 نشر عام 1977
[7] عبدالحميد أبو هيف، طرق التنفيذ والتحفظ ، ط 2 ، ص930
[8] فتحي والي ، مرجع سابق ، ص 434
[9] حكم التحكيم وشروط صحته ، د/ حمزة أحمد حداد، ص،13
[10] أبو الوفا ، التحكيم بالقضاء أو بالصلح ، ص 110
[11] فتحي والي، مرجع سابق ، ص 443
[12] عبد الحميد المنشاوي , التحكيم الدولي والداخلي – االسكندرية – منشأة المعارف – 1995 – ص 78
[13] د. عيد القصاص حكم التحكيم ، ط 2 ، دار النهضة العربية ، ص ۱۷
[14] مصطفى الجمال وعكاشة، التحكيم في العلاقات الخاصة والدولية، منشورات الحلبي الحقوقية – لبنان ، ص ٤٥٩ – ٤٦١
[15] أشجان داود، حجية لطبيعة القانونية لحكم التحكيم وآثاره – جامعة النجاح الوطنية 2008 ، ص84
[16] على أبو عطية هيكل، بطلان حكم التحكيم، د.ط، دار الجامعة الجديدة، الاسكندرية، مصر، ،2014 ص.110
[17] مصلح أحمد الطراونة، حكم التحكيم، ، دار الثقافة للنشر والتوزيع، ص 175
[18] فتحي والي ، مرجع سابق ، ص 545
[19] مدى إلزامية حكم التحكيم فى الشريعة الإسلامية والقانون دراسة مقارنة،أحمد خليفة شرقاوي ص 96– 100
[20] أبو الوفا أحمد 2007 ، عقد التحكيم وإجراءاته ، دار المطبوعات الجامعية الاسكندرية ص 11 – 12.
[21] سلطة القضاء في إبطال حكم التحكيم موضوعيا – عمر محي الدين المصري – رسالة ما جستير جامعة الشرق الأوسط عام2020


No comment