المدخل إلى التحكيم: المفهوم، الطبيعة، وأنواعه في الإطار الدولي

يُعد التحكيم اليوم حجر الزاوية في نظام تسوية المنازعات التجارية على الصعيدين الوطني والدولي. فهو آلية قانونية تتميز بالمرونة والاستقلال، وتهدف إلى تحقيق العدالة خارج نطاق القضاء الوطني، مع الحفاظ على مبدأ سيادة القانون وضمان تنفيذ الأحكام الصادرة. ومع توسع النشاط التجاري والاستثماري عبر الحدود، أصبح التحكيم الوسيلة المفضلة لحسم النزاعات لما يتيحه من حياد وسرعة وسرية وفعالية في التنفيذ، وهو ما جعل منه “قضاءً خاصًا” يحظى باعتراف عالمي واسع.

مفهوم التحكيم وأهميته

يُعرّف التحكيم بأنه نظام قانوني يتفق بموجبه طرفان أو أكثر على عرض نزاع معين، قائم أو محتمل، على هيئة تحكيمية للفصل فيه بحكم ملزم. ويتميز هذا الحكم بكونه نهائيًا وقابلًا للتنفيذ شأنه شأن الأحكام القضائية. وقد عبّر الدكتور محمود سمير الشرقاوي عن جوهر التحكيم بقوله: “التحكيم هو ترويض للقانون لتحقيق العدالة”، في إشارة إلى الطبيعة المرنة للتحكيم وقدرته على التوفيق بين الشكل القانوني ومقتضيات العدالة العملية.

وفي الإطار الدولي، تبنّت لجنة الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولية (UNCITRAL) من خلال قانونها النموذجي لعام 1985 المعدل عام 2006 تعريفًا واسعًا للتحكيم التجاري، يهدف إلى توحيد القواعد الإجرائية والموضوعية، بما يضمن أمن المعاملات التجارية الدولية. كما أكدت اتفاقية نيويورك لعام 1958 على الاعتراف بأحكام التحكيم وتنفيذها في الدول الأعضاء، وهو ما عزز ثقة المستثمرين والمتعاملين بهذه الآلية. (1)

الطبيعة القانونية للتحكيم

اختلف الفقه القانوني في تحديد الطبيعة القانونية للتحكيم، وانقسم النزاع في هذا الموضوع إلى ثلاث اتجاهات رئيسية: النظرية التعاقدية، نظرية كيوفندا، والنظرية القضائية. (2) ويستند كل اتجاه إلى أسس مختلفة في تفسير مصدر سلطة المحكم وطبيعة عمله، وما إذا كان التحكيم يُعد مظهراً من مظاهر القضاء أم مجرد اتفاق خاص بين الأطراف.

تذهب النظرية التعاقدية (3) إلى أن التحكيم ذو طبيعة تعاقدية خالصة، حيث يستمد المحكم سلطته من إرادة الأطراف لا من الدولة. فالاتفاق على التحكيم هو في جوهره اتفاق خاص على استبعاد ولاية القضاء العام في نظر النزاع، وإحلال إرادة الأطراف محلها من خلال شخص ثالث يختارونه للفصل في الخلاف. ووفقاً لهذا الاتجاه، فإن أساس التحكيم هو الرغبة المشتركة للأطراف في تسوية نزاعهم بطريقة ودية بعيداً عن الإجراءات القضائية الرسمية.

كما توضح هذه النظرية أن المحكم لا يمارس سلطة عامة بل سلطة خاصة مصدرها العقد، ومن ثم لا يمكن وصفها بأنها سلطة قضائية. ويؤيد أنصار هذا الاتجاه رأيهم بعدة مظاهر في القانون الوضعي، منها أن المحكم يمكن أن يكون أجنبياً، وأن أحكامه لا تقبل الطعن بطرق الطعن العادية كالأحكام القضائية، فضلاً عن أن المذكرة الإيضاحية لقانون المرافعات المصري لسنة 1968 على سبيل المثال صرّحت بأن “حكم المحكمين ليس حكماً قضائياً”.

غير أن هذه النظرية تعرضت لانتقادات واسعة (4)، إذ يُؤخذ عليها أنها تبالغ في إعلاء دور الإرادة الخاصة على حساب الطابع القانوني للعمل القضائي. فالمحكم لا يقتصر على التعبير عن إرادة الأطراف كما هو الحال في العقود، بل يبحث عن إرادة القانون ويطبقها على النزاع، شأنه شأن القاضي. كما أن القول بأن الأصل في التحكيم هو التحكيم وفق العدالة غير صحيح، لأن القوانين الحديثة – مثل المادة (1474) من قانون المرافعات الفرنسي والمادة (39) من قانون التحكيم المصري رقم 27 لسنة 1994 تؤكد أن الأصل هو التحكيم وفقاً للقانون، بينما التحكيم بالتفويض في الصلح يُعد استثناء. ولهذا لم تلقَ النظرية التعاقدية قبولاً واسعاً في الفقه الحديث.

أما نظرية كيوفندا (5) مؤسس المدرسة الإيطالية الحديثة في فقه المرافعات، فتتوسط بين الاتجاهين التعاقدي والقضائي. فهو يرى أن القانون يخول للأفراد اختيار أشخاص خاصين (المحكمين) للقيام بالشق الأول من العمل القضائي، وهو البحث عن إرادة القانون في النزاع المطروح. أما الشق الثاني، وهو إصدار الأمر أو القرار القضائي الذي يمنح الحكم قوته التنفيذية، فيظل من اختصاص القاضي الذي يصدر أمر التنفيذ. فالمحكم، في نظر كيوفندا، لا يملك سلطة “الأمر” القضائي (imperium)، لأنه لا يستمد سلطته من الدولة بل من الأطراف.

ومع ذلك، فإن هذا الرأي لم يسلم من النقد، إذ أن المحكم لا يكتفي بمجرد البحث عن إرادة القانون، بل يطبقها فعلاً على النزاع، ومن ثم لا يمكن القول بأنه يقوم بنصف العمل القضائي فقط. كما أن أمر التنفيذ الصادر من القاضي لا يغير من طبيعة الحكم التحكيمي، لأنه لا ينشئ الحكم القضائي، بل يضفي عليه القوة التنفيذية فحسب.

أما الاتجاه الثالث، وهي النظرية القضائية (6)، فيمثّل الرأي الراجح في الفقه والقضاء المعاصرين، إذ يعتبر أن التحكيم عمل قضائي في جوهره، وإن كان ذا طبيعة خاصة. فجوهر القضاء هو تطبيق القانون على واقعة معينة بواسطة شخص لا يخضع في هذا التطبيق لتلك القاعدة القانونية، وهذا هو بالضبط ما يقوم به المحكم. فعندما يتفق الأطراف على التحكيم، فإنهم لا يتنازلون عن حقهم في اللجوء إلى القضاء، وإنما يستبدلون قضاء الدولة بقضاء خاص يختارون قضاته بأنفسهم ويعترف به القانون. ومن ثم، يُعد التحكيم صورة من صور القضاء الخاص الذي تمارسه هيئات مستقلة بموافقة الدولة واعترافها.

ويؤيد هذا الاتجاه ما نص عليه قانون التحكيم المصري في المادة (55) من أن “أحكام المحكمين الصادرة طبقاً لهذا القانون تحوز حجية الأمر المقضي”. وهذه الحجية لا تُمنح إلا للأحكام القضائية، مما يدل بوضوح على الطبيعة القضائية للتحكيم. كما أن القاضي الذي يصدر أمر التنفيذ لا يُنشئ الصفة القضائية للحكم، بل يضيف له فقط القوة التنفيذية، تماماً كما هو الحال بالنسبة للأحكام الأجنبية التي تحتاج إلى أمر تنفيذ في الدولة الأخرى رغم أنها أحكام قضائية بطبيعتها. ولا ينفي عن التحكيم صفته القضائية كونه يهدف إلى حماية مصالح خاصة، إذ إن قضاء الدولة نفسه في جوهره يخدم مصالح الأفراد وإن كان في إطار المصلحة العامة. كذلك، فإن نقص بعض سلطات الجبر لدى المحكم لا ينفي الطابع القضائي، بل يميز التحكيم كقضاء خاص لا يملك أدوات الإكراه التي تحتكرها الدولة.

وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى نظام التحكيم السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/34 لسنة 1433هـ (2012م)، والذي يعكس بوضوح الاتجاه نحو اعتبار التحكيم عملاً قضائياً معترفاً به قانوناً. فالمادة (52) من النظام تنص على أن “حكم التحكيم الصادر وفقاً لهذا النظام يكون نهائياً وملزماً للأطراف، وله قوة الأحكام القضائية بعد الأمر بتنفيذه.”، وهو ما يعني أن المشرّع السعودي اعتبر الحكم التحكيمي ذا طبيعة قضائية، إذ يُكسبه حجية وقوة تنفيذية بعد تصديقه من المحكمة المختصة. كما أن المادة (53) توجب على المحكمة عند نظر طلب التنفيذ أن ترفضه فقط إذا ثبت وجود سبب من الأسباب المنصوص عليها حصراً، مما يعكس احتراماً لحجية الحكم التحكيمي وعدم إخضاعه لرقابة موضوعية، شأنه شأن الأحكام القضائية.

وبناءً على ما تقدم، يتضح أن التحكيم وإن كان يستند في مصدره إلى إرادة الأطراف إلا أنه في جوهره عمل قضائي يهدف إلى تطبيق القانون على النزاع المعروض. فهو نظام قضائي خاص معترف به من قبل الدولة، يتمتع بالحجية والاحترام ذاته الذي تتمتع به الأحكام القضائية، مع اختلافه في أن مصدره هو الاتفاق لا التعيين من قبل الدولة. فالمحكم يؤدي ذات الوظيفة التي يؤديها القاضي، وهي تحقيق العدالة وتطبيق القانون، ويصدر حكمه الذي يحوز حجية الأمر المقضي بمجرد صدوره. ومن ثم، يمكن القول إن التحكيم يجمع بين المصدر التعاقدي والوظيفة القضائية، فهو يبدأ باتفاق وينتهي بحكم قضائي خاص، مما يجعله جسراً بين إرادة الأفراد وسيادة القانون.

تمييز نظام التحكيم عما قد يختلط به من نظم قانونية

يُعد التحكيم نظامًا قانونيًا متميزًا يستند في جوهره إلى اتفاق الإرادة بين الأطراف، إذ لا يُقام التحكيم إلا بناءً على اتفاق صريح منهم على إسناد الفصل في النزاع إلى محكم أو هيئة تحكيمية بدلًا من القضاء العادي. ولهذا، فإن تمييز التحكيم عن النظم القانونية الأخرى التي قد تختلط به يعتمد بالأساس على تكييف الاتفاق المبرم بين الأطراف لمعرفة ما إذا كان يشكل اتفاق تحكيم أم لا.

ويُجرى هذا التكييف وفقًا للقانون الذي يحكم اتفاق التحكيم، وغالبًا ما يكون هو القانون الذي اختاره الأطراف أو القانون الأكثر اتصالًا بالاتفاق. فإذا منح الاتفاقُ المحكمين سلطة القيام بعمل ذي طبيعة قضائية، كان ذلك اتفاق تحكيم، ويُعتبر القرار الصادر استنادًا إليه حكمًا تحكيميًا ملزمًا. ويُلاحظ أن مسألة التكييف مسألة قانونية بحتة، لذلك يملك القاضي عند عرض الاتفاق عليه أن يُجري هذا التكييف من تلقاء نفسه، بعد تفسير نصوص الاتفاق إذا لزم الأمر، دون أن يكون مقيدًا بالتسمية التي أطلقها الأطراف على اتفاقهم، إذ إن العبرة بالمضمون لا بالمسميات.

مزايا نظام التحكيم

يُفضِّل الكثير من الأطراف، ولا سيما في المعاملات التجارية الدولية، اللجوء إلى التحكيم لما يوفره من مرونة وسرعة وسرية، فضلًا عن إمكان اختيار من يفصل في :النزاع. ويمكن إبراز أهم مزايا هذا النظام على النحو الآتي (7)

  1. حرية اختيار المحكمين

يتميز التحكيم بإتاحة الفرصة للأطراف لاختيار من يحكم بينهم، وهو ما يعزز الثقة في عدالة القرار. كما يمكنهم اختيار شخص ذي خبرة قانونية أو فنية خاصة بطبيعة النشاط التجاري أو الصناعي محل النزاع، وهو ما يصعب تحقيقه أمام المحاكم الوطنية.

فعلى سبيل المثال، يتيح نظام التحكيم السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/34) لسنة 1433هـ (2012م) للأطراف حرية اختيار المحكمين (المادة 13)، شريطة أن تتوافر فيهم الأهلية وحسن السيرة، وهو ما يجسد مبدأ حرية الإرادة في التحكيم.

  1. السرعة وتوفير النفقات

يُعد التحكيم وسيلة فعالة لتقليص الوقت والتكاليف مقارنة بالتقاضي أمام محاكم الدولة، التي تخضع عادة لتعدد درجات التقاضي (ابتدائي، استئناف، نقض). أما التحكيم، فيُجرى في درجة واحدة، ويصدر فيه حكم نهائي غير قابل للاستئناف إلا بطريق البطلان في حالات محددة نص عليها النظام (مثل مخالفة النظام العام أو تجاوز حدود التفويض).

وفي هذا السياق، نصت المادة 50 من نظام التحكيم السعودي على أنه لا يجوز الطعن في حكم التحكيم إلا بطلب البطلان وفقًا للضوابط المحددة في النظام، مما يُعزز من سرعة الفصل في المنازعات.

  1. المرونة الإجرائية

يمنح التحكيم للأطراف حرية الاتفاق على الإجراءات التي تراها مناسبة، سواء في اختيار القانون الإجرائي أو تحديد مدة التحكيم أو طريقة تقديم المذكرات. وهذه المرونة تُمكّن الأطراف من تفادي التعقيدات الشكلية التي غالبًا ما تميز إجراءات المحاكم.

ويُجيز النظام السعودي كذلك للأطراف الاستعانة بقواعد المراكز التحكيمية، مثل مركز التحكيم التجاري لدول مجلس التعاون أو المركز السعودي للتحكيم التجاري (SCCA)، الذي يوفر قواعد مرنة تراعي طبيعة النزاعات التجارية.

  1. السرية وحماية العلاقات التجارية

يُعتبر الحفاظ على سرية الإجراءات والمداولات من أبرز سمات التحكيم. فخلافًا للقضاء العلني، تجري جلسات التحكيم في سرية تامة، ولا يجوز نشر الحكم أو تفاصيل النزاع إلا بموافقة الأطراف. وتُسهم هذه السرية في حماية أسرار التجارة والمعاملات بين الأطراف، مما يحافظ على استمرارية علاقاتهم التجارية.

وقد أكد المركز السعودي للتحكيم التجاري على مبدأ السرية في قواعده، حيث نصت المادة (44) من قواعد التحكيم لعام 2023 على وجوب الحفاظ على سرية جميع الإجراءات والمستندات إلا بموافقة الأطراف أو بنص قانوني.

  1. المرونة في اختيار القانون الموضوعي

على خلاف القاضي الوطني الملتزم بتطبيق قانون دولته أو القواعد التي تُحيل إليها قواعد الإسناد، يتمتع الأطراف في التحكيم بحرية اختيار القانون الموضوعي الذي يحكم النزاع، سواء كان قانون دولة معينة، أو مبادئ الشريعة الإسلامية، أو القواعد العامة للتجارة الدولية (Lex Mercatoria).

ويعكس ذلك ما نصت عليه المادة 38 من نظام التحكيم السعودي التي تجيز للأطراف الاتفاق على القواعد التي تطبقها هيئة التحكيم على موضوع النزاع، سواء كانت هذه القواعد نابعة من قانون وطني أو من مبادئ العدالة والإنصاف.

  1. تخفيف العبء عن المحاكم الوطنية

يُسهم التحكيم في تخفيف الضغط عن القضاء الوطني من خلال تحويل جزء من المنازعات، خصوصًا التجارية منها، إلى هيئات تحكيمية خاصة، مما يُتيح للقضاة التركيز على القضايا الأخرى ويساهم في تسريع الفصل في الدعاوى أمام المحاكم.

أنواع التحكيم:

1– أنواع التحكيم من حيث النطاق الجغرافي

يمكن تقسيم التحكيم إلى تحكيم داخلي وتحكيم دولي تبعاً لطبيعة العلاقة القانونية محل النزاع.
فالتحكيم الداخلي هو الذي يرتبط بعلاقات قانونية جميع عناصرها داخل الدولة الواحدة، ويخضع في الغالب لأحكام القانون الوطني. أما التحكيم الدولي فهو الذي يتصل بعلاقات تجارية أو استثمارية عابرة للحدود، وتكون لأطرافه أو لموضوعه عناصر أجنبية تجعل النزاع ذا طبيعة دولية. (8)

وقد تبنّت المادة الأولى من قانون الأونسيترال النموذجي هذا التمييز، فاعتبرت التحكيم دوليًا إذا كان محل العلاقة يقع في أكثر من دولة، أو إذا كان مركز التحكيم في دولة غير تلك التي ينتمي إليها الطرفان، أو إذا اتفق الطرفان على إخضاعه لقواعد تحكيم دولية. ويُعد هذا التمييز مهمًا لأنه يحدد القانون الواجب التطبيق، وقواعد الإجراءات، ومدى تدخل القضاء الوطني.

أما في النظام السعودي، فقد أخذ نظام التحكيم لعام 2012 بالمفاهيم الدولية ذاتها، حيث سمح بإجراء التحكيم سواء داخل المملكة أو خارجها، طالما لم يتعارض ذلك مع النظام العام. ويعكس ذلك انفتاح المملكة على المعايير الدولية في تسوية المنازعات، خاصة بعد انضمامها إلى اتفاقية نيويورك لعام 1958.

2- أنواع التحكيم من حيث التنظيم (المؤسسي والحر)

من أبرز صور التحكيم من حيث التنظيم هو التمييز بين التحكيم المؤسسي (Institutional Arbitration) والتحكيم الحر أو الخاص (Ad hoc Arbitration). التحكيم المؤسسي هو الذي يُدار تحت إشراف مؤسسة دائمة تتولى تنظيم العملية التحكيمية ووضع قواعدها، مثل غرفة التجارة الدولية (ICC) في باريس، أو مركز لندن للتحكيم الدولي (LCIA)، أو المركز السعودي للتحكيم التجاري (SCCA)، أو مركز التحكيم التجاري لدول مجلس التعاون الخليجي. وتتكفل هذه المؤسسات بتعيين المحكمين، والإشراف على الإجراءات، وضمان صدور الحكم وفقًا لقواعدها المعتمدة. (9)

أما التحكيم الحر فهو الذي يتم دون تدخل مؤسسة دائمة، حيث يتفق الأطراف على الإجراءات والمحكمين بأنفسهم. ويمنح هذا النوع الأطراف حرية أوسع في تحديد سير العملية التحكيمية، لكنه قد يفتقر إلى الدعم الإداري والتنظيمي الذي توفره المؤسسات. ولهذا السبب، يفضل معظم المتعاملين التجاريين اللجوء إلى التحكيم المؤسسي لما يوفره من استقرار واحترافية في إدارة القضايا.

وقد أشار قانون الأونسيترال النموذجي في ديباجته إلى إمكانية تبني القواعد الخاصة بالتحكيم الحر، مثل قواعد الأونسيترال للتحكيم (UNCITRAL Arbitration Rules) التي صُممت خصيصًا لتُطبق على التحكيم الحر. بينما نص نظام التحكيم السعودي في مادته (10) على أن “للأطراف حرية الاتفاق على القواعد والإجراءات المنظمة للتحكيم سواء تمت تحت إشراف مركز أو بصفة خاصة”، مما يعكس توافق التشريع السعودي مع الاتجاه الدولي في ترك الحرية للأطراف لاختيار نمط التحكيم المناسب لهم.

أنواع التحكيم الدولي بحسب المجال التجاري والاستثماري والرياضي وغيره

في ظل توسع العلاقات الدولية، ظهرت أنواع جديدة من التحكيم المتخصص.
فالتحكيم الاستثماري يُعد من أهم صور التحكيم الدولي، إذ يتناول النزاعات الناشئة بين المستثمرين الأجانب والدول المضيفة لاستثماراتهم. وقد نظمته اتفاقية واشنطن لعام 1965 التي أنشأت مركز تسوية منازعات الاستثمار (ICSID) التابع للبنك الدولي. ويُعد هذا المركز المرجع الأساسي في التحكيم الاستثماري الدولي، حيث تصدر أحكامه بصفة نهائية وملزمة، كما في قضايا Philip Morris v. Uruguay وCMS v. Argentina، التي جسدت التوازن بين حماية الاستثمار ومراعاة السيادة الوطنية. (10)

أما التحكيم الرياضي، فيخضع لاختصاص محكمة التحكيم الرياضي (CAS) في سويسرا، التي تنظر في المنازعات الرياضية الدولية مثل قضايا المنشطات والعقود الرياضية، وتُعتبر أحكامها نهائية وملزمة وفق الميثاق الأولمبي الدولي.

وهناك أيضًا تحكيمات أخرى متخصصة في مجالات النقل البحري والطاقة والبناء والعقود الحكومية، وكلها تعكس تنوع استخدام التحكيم كأداة فعالة لتسوية النزاعات ذات الطابع الفني والدولي.

تنفيذ أحكام التحكيم في الإطار الدولي

تُعد مسألة التنفيذ حجر الزاوية في نجاح التحكيم. فلا قيمة لحكم تحكيمي ما لم يكن قابلاً للتنفيذ داخل الدولة أو خارجها. وهنا برزت أهمية اتفاقية نيويورك لعام 1958 التي ألزمت الدول الأعضاء بالاعتراف بأحكام التحكيم الأجنبية وتنفيذها كما لو كانت صادرة عن محاكمها الوطنية، مع تضييق أسباب الرفض لتشمل فقط مخالفة النظام العام أو بطلان الاتفاق. وقد انضمت المملكة العربية السعودية إلى هذه الاتفاقية عام 1994، مما عزز مكانة التحكيم كآلية فعالة لتسوية المنازعات في بيئة الأعمال الدولي. (11)

كما نص نظام التحكيم السعودي في المادة 52 على أن الأحكام التحكيمية تُنفذ بعد صدور أمر بذلك من المحكمة المختصة، ما لم تتعارض مع النظام العام في المملكة. وهذا يعكس التزام المملكة بالمعايير الدولية في احترام قرارات التحكيم وتنفيذها ضمن إطار قانوني منضبط.

الخاتمة

إن التحكيم في صورته المعاصرة يمثل قضاءً خاصًا عالميًا يسهم في تحقيق العدالة الاقتصادية وتسهيل حركة التجارة والاستثمار عبر الحدود. وقد ساهمت الأطر الدولية مثل قانون الأونسيترال النموذجي واتفاقية نيويورك 1958، إلى جانب الأنظمة الوطنية الحديثة مثل نظام التحكيم السعودي 2012، في بناء منظومة متكاملة تضمن الحياد والسرعة والفعالية في تسوية النزاعات. ومن ثم، يمكن القول إن التحكيم لم يعد مجرد بديل للقضاء الوطني، بل أصبح وسيلة مركزية لتحقيق العدالة في عالم تتشابك فيه المصالح وتتقاطع فيه القوانين.

 

المراجع

  1. د\ أحمد إبراهيم عبد التواب: اتفاق التحكيم، مفهومهن أركانه، وشروطه ونطاقه، دار النهضة العربية، 2013، ص 47.
  2. د\ فوزي محمد سامي: التحكيم التجاري الدولي ج5، مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1997 .
  3. Fathi Wali, The Law of Arbitration in Theory and Practice (1stedn, Manshat al-Maaref, Alexandria 2007). Page 50 – 54.
  4. Satta (Salvatore): Dritto prosessuale civile, Padava 1954 по 520 р.р.623-625.
  5. Rocco Alfredo: La sentenza civile, Milano 1962 no15p.33
  6. Santoro Passarelli (Francesco): Negozio e giudizio, riv.trim. civ. 1956-p.1161
  7. (۳) كيوفندا نظم – جزء اول – بعد ٢٦ ص ٦٧-٦٩.
  8. Rubellin Devichi (Jacqueline): L,arbitrage, nature juridique, Paris 1965 – no.11p.15.
  9. Fathi Wali, The Law of Arbitration in Theory and Practice (1stedn, Manshat al-Maaref, Alexandria 2007). Page 17 – 18 – 19.
  10. محمد سعد فالح العدواني، مدى الرقابة القضائية على حكم التحكيم دراسة مقارنة، رسالة ماجستير كلية الحقوق جامعة الشرق األوسط، األردن، 2011، ص43.
  11. إيناس خلف الخالدي، تقييم آلية تنفيذ أحكام التحكيم في نظام التحكيم السعودي، مجلة منازعات الأعمال، العدد 22، المملكة المغربية، مارس 2017، ص59.

 

 

لا تعليق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *