ألغت محكمة الاستئناف في باريس حكمًا تحكيميًا كان قد صدر بعدم الاختصاص في نزاع بين شركة “كِبْل” السنغافورية وهيئة الأشغال العامة القطرية “أشغال” بشأن عقد إنشاء وتشغيل محطة لمعالجة مياه الصرف. هيئة التحكيم كانت قد اعتبرت أنه لا يوجد اتفاق تحكيم بين الطرفين وأن شرط التقاضي أمام المحاكم القطرية هو الذي يحكم العلاقة، لكن المحكمة الفرنسية رأت أن الهيئة أغفلت أدلة حاسمة تُثبت وجود اتفاق فعلي على التحكيم، فألغت قرارها وألزمت أشغال بدفع 300 ألف يورو مصاريف.
بيّنت المحكمة أن سلوك الطرفين ومراسلاتهما قبل التعاقد وخلال تنفيذ العقد يكشف بوضوح عن نية مشتركة لإدراج شرط تحكيم، حتى وإن لم يُدوَّن في النسخة النهائية من العقد. فقد تمسكت كِبْل منذ مرحلة المناقصة باستبدال شرط التقاضي بشرط تحكيم وفق قواعد غرفة التجارة الدولية وبمقر باريس، بينما انصب اعتراض أشغال على مقر التحكيم فقط، وهو ما اعتبرته المحكمة قبولًا بمبدأ التحكيم. كما دعمت المحكمة قناعتها بوثيقة داخلية لدى أشغال تتضمن موافقة على التحكيم، وبإشارات لم يعترض عليها الطرف القطري أثناء تنفيذ المشروع إلى أن التحكيم هو المرحلة النهائية لتسوية النزاع.
اعتمدت المحكمة على مبدأ الأثر المفيد effet utile الذي يوجب تفسير أي اتفاق تحكيمي على نحو يضمن فاعليته، وعلى مبدأ “حسن النية” الذي يمنع أحد الأطراف من التراجع عن التزام توافقت عليه الإرادتان، حتى لو صيغ بطريقة غير دقيقة. ورأت المحكمة أن وجود شرط التقاضي في الشروط العامة لا يكفي لإهدار اتفاق تحكيمي ثابت بالأدلة والسلوك المتبادل.
وتبين هذه السابقة أن تحديد نطاق اتفاق التحكيم لا يعتمد فقط على النص المكتوب، بل يمتد ليشمل تصرفات الأطراف وما تبادلوه من مراسلات أثناء التفاوض والتنفيذ. كما تؤكد أن غياب الحسم المبكر في صياغة شرط التحكيم قد يفتح الباب لتفسيرات تقلب مسألة الاختصاص رأسًا على عقب، وهو ما أظهرته محكمة باريس بوضوح في هذا الحكم.
#مستجدات_التحكيم #قانون #تحكيم


No comment