القوانين الوطنية للاستثمار وفق تقرير UNCTAD 2025 نحو 100 قضية تحكيم دولي في قطاعات التعدين والطاقة


هل ما زالت معاهدات الاستثمار هي الطريق الوحيد أمام المستثمر لمقاضاة الدولة؟

تقرير حديث صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UN Trade and Development (UNCTAD)) يجيب عن هذا السؤال بإعادة رسم خريطة التحكيم الاستثماري، مؤكّدًا أن القوانين الوطنية للاستثمار أصبحت تلعب دورًا متزايد الأهمية كمصدر مستقل لبدء دعاوى التحكيم بين المستثمرين والدول، وليس مجرد أداة مكملة لمعاهدات الاستثمار التقليدية.

ويكشف التقرير أن ما يقارب 100 قضية تحكيم دولي استندت كليًا أو جزئيًا إلى القوانين الوطنية للاستثمار، ولا سيما في قطاعات التعدين والطاقة، وهي قطاعات تتسم بكثافة رأس المال وطول أمد الاستثمارات، ما يجعل النزاعات فيها ذات طابع قانوني واقتصادي معقّد. ويعكس هذا التوجه إدراك المستثمرين المتزايد لإمكانية الاعتماد على التشريعات الوطنية بوصفها أساسًا قانونيًا قائمًا بذاته لتوفير الحماية الاستثمارية والوصول إلى التحكيم الدولي.

ومن الناحية المالية، يوضح التقرير أن حجم المطالبات والتعويضات في هذه القضايا لا يقل خطورة عن تلك القائمة على معاهدات الاستثمار. فقد تراوحت مطالبات المستثمرين بين بضعة ملايين وعدة مليارات من الدولارات، حيث بلغ متوسط قيمة المطالبة نحو 1.7 مليار دولار أمريكي، بينما وصل الوسيط إلى 188 مليون دولار. أما في القضايا التي ثبتت فيها مسؤولية الدولة وصدر حكم بالتعويض، فقد بلغ متوسط التعويضات الممنوحة 215 مليون دولار، مع وسيط قدره 33 مليون دولار. وعلى غرار التحكيم القائم على المعاهدات، حصل المستثمرون الناجحون في المتوسط على حوالي 37% من إجمالي المبالغ المطالب بها.

وفي تعليقه التحليلي، يؤكد تقرير الأونكتاد أن القوانين الوطنية للاستثمار باتت ذات وزن قانوني واقتصادي حقيقي في تسوية منازعات المستثمر–الدولة. ففي الممارسة التحكيمية، غالبًا ما يستند المستثمرون إلى حماية مزدوجة، تجمع بين نصوص معاهدات الاستثمار الدولية وأحكام القوانين الوطنية. وتبرز أهمية هذه القوانين بشكل خاص عندما لا توجد معاهدة استثمار بين دولة المستثمر والدولة المضيفة، إذ تشكل حينها القوانين الوطنية مصدرًا بديلًا أو احتياطيًا للحماية الموضوعية والإجرائية، بما في ذلك عرض الدولة للتحكيم.

ومع ذلك، يلفت التقرير إلى فرق جوهري بين القوانين الوطنية والمعاهدات الدولية. فبينما يمكن للدولة تعديل أو إلغاء قوانين الاستثمار الوطنية في أي وقت، بما في ذلك سحب عرض التحكيم قبل بدء الإجراءات، تتمتع معاهدات الاستثمار بدرجة أعلى من الاستقرار، خاصة من خلال بنود الغروب (Sunset Clauses) التي تضمن استمرار الحماية للاستثمارات القائمة لسنوات طويلة حتى بعد إنهاء المعاهدة. ولهذا السبب، تظل المعاهدات الدولية أداة أكثر موثوقية من حيث الاستقرار الزمني للحماية الاستثمارية.

أخيراً، يشدد التقرير على أن القوانين الوطنية للاستثمار لم تعد أداة ثانوية، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا يجب أخذه في الاعتبار من قبل جميع الأطراف. فبالنسبة للمستثمرين، يمكن لهذه القوانين أن تعزز مستوى الحماية أو تعوّض غياب المعاهدات، بينما تمثل بالنسبة للدول وسيلة لجذب الاستثمار الأجنبي عبر تبنّي تشريعات متوازنة تراعي حماية المستثمر دون الإخلال بحق الدولة في التنظيم.


#مستجدات_التحكيم #قانون #تحكيم

No comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *